تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير البيان الصافي لكلام الله الوافي — صفحة 181

مساهمون:

ص١٨١
- البيان : هنا يتجلى لنا مصداق حكمة الله في اصطفاء حججه على خلقه . لقد أقدم طالوت على محاربة العدو ومعه جيش من أمة مغلوبة . عرفت الهزيمة والذل في تاريخها مرة بعد مرة ، وهو يواجه جيش أمة غالبة فلا بد اذن من قوة كامنة في ضمير الجيش الذي يقف به أمام القوة الظاهرة الغالبة . فلا بد للقائد المختار اذن ان يبلو إرادة جيشه وصموده وصبره ، صموده أولا للرغبات والشهوات ، وصبره ثانيا على الحرمان والمتاعب . واختار هذه التجربة
( فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ )
. وفي هذا تبين المؤمن من المنافق ، والمتيقن من المشكك ، ولما التقى الجيشان انفصل الذين شربوا ودب في نفوسهم الذعر والخوف من عدوهم وقالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده . وصمد الذين آمنوا وكانوا على يقين تام من صحة ايمانهم فأعلنوا موقفهم الجازم بدون أدنى تردد
( كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ، وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ )
. لقد ثبتت القلة الباقية ، وهم يعلمون قوة عدوهم وكثرته بقيادة جالوت ، لكن الايمان الصحيح يجعل من صاحبه قلعة ثابتة تهزأ بالرعود والرياح وان زمجرت وعصفت واشتدت . انه الاعتزاز بقوة أخرى أكبر من قوة الواقع المنظور ، وهذه لا يصمد لها ولا يراها الا من اكتمل ايمانه واتصل بربه يقينه ، وأصبحت له موازين جديدة يستمدها من واقع ايمانه غير الموازين التي يستمدها الناس من واقع حالهم . لذلك قد برزت الفئة المؤمنة القليلة المختارة ، ذات الموازين