تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير البيان في الموافقة بين الحديث والقرآن — صفحة 33

مساهمون:

ص٣٣
الموجودة عنده ، فبالضرورة كلّ موجود يروم بفطرته نحو الهدف الذي خطّت له الخلقة ومتحرّك نحو الغاية التي وضعتها له يد المصنع ، وليس يروم نحو شيء خارج عن دائرة كماله التي خطّت له ، ولو عثرت على شيء ممّا يوهم خلاف ذلك فبالتأمّل والبحث يستوضح فيتّضح الحقّ فيه . والإنسان من جملة الموجودات التي يناله الحسّ وإن كان أوسعها أفعالا وأبعدها منالا ، فإنّ حاله كحال سائر الموجودات لا يروم إلى كمال إلّا وعنده مبدأ يقتضيه ويستدعيه ، ولا يتجاوز قصده وسعيه ذلك ألبتّة ، فأعظم الدليل على لزوم سعيه نحو كماله الخاصّ به هو أنّ الخلقة وضعت مبادئ ملائمة له فيه ونظمت تركيبه نظما يستدعيه ، فأيّ برهان أقطع على لزوم الأكل والنكاح له مثلا من أنّ نظام بدنه مجهّز بجهازي التغذّي والتناسل . هذا ، وإذ كان الدين الحنيف موضوعا على أساس الفطرة كما قال :
فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ
« 1 » ، فما لا تستغني الفطرة عنه ممّا أخذ مبدأه فيها على اختلاف لزومه وجوازه فردا أو جماعة هو الواجب والمباح ، وما يضادّها أو يقتضي ما يعود إلى اضمحلالها واستئصالها هو المحرّم ، والشريعة إنّما هي لتحديد حدودها وتفصيل الخصوصيّات الموجودة فيها على إبهامها وإجمالها بتمييز المصلحة من المفسدة والنافعة من الضارّة كما قال - صلّى اللّه عليه وآله - فيما روي عنه : « بعثت لاتمّم مكارم الأخلاق » « 2 » ، الحديث ، فخصوصيّات التشريع تكشف عن خصوصيّات
هامش
( 1 ) . الروم ( 30 ) : 30 . ( 2 ) . مستدرك الوسائل 11 : 187 ، الحديث : 12701 ؛ مكارم الأخلاق : 8 ؛ بحار الأنوار 67 : 372 ؛ 68 : 382 .