قبلتكم بيت المقدس إلّا امتحانا للنّاس ، فإنّ الذين اتبعوا الرسول ( ص ) في صلاتهم بمكّة كانوا قد خالفوا قبلة قومهم ، وانفصلوا عنهم .
وفي المدينة عندما تحوّلت القبلة أيضا ، كان منه امتحانا لمن أسلم من اليهود وحلفائهم ولغيرهم في اتباعهم أمر الرسول ( ص ) في ما يوحى إليه ، وإن كانت لكبيرة إلّا على من هداه اللّه ، وكانت نتيجة عمل من صلّى إلى بيت المقدس في ما سبق تبديل القبلة ، سواء الأحياء منهم أو الأموات ، فإنّ اللّه لا يضيع عملهم .
كان هذا ما تحدّث اللّه به - سبحانه - من أمر الناس في هذه القصّة .
أمّا ما كان من أمر الرسول ( ص ) ، فكان شأنه فيها ما أخبر اللّه عنه وقال :
قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ . . .
وإنّ الّذين أوتوا الكتاب علموا أن هذا التحول في القبلة هو الحقّ من ربّهم غير أنّه :
وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ
- كما زعموا -
وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ
.
قد يكون المقصود من هذا الخطاب أمّة الرسول ( ص ) ، وخاطب نبيّه بذلك من باب : ( إيّاك أعني واسمعي يا جارة ) . كما له نظائر كثيرة في القرآن ، ويدلّ على ذلك ما في الآية الّتي قبلها :
قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها
.
إذا فالرسول ( ص ) هو الّذي كان يطلب تحويل القبلة ، وينتظر الإذن له .
ويظهر من فحوى الكلام أنّه كان في أمّته من ثقل عليه هذا الأمر ، وهو المعنيّ بهذا الخطاب .