تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات القرآن — صفحة 196

مساهمون:

ص١٩٦
لا يعاقب أحدٌ أكثر ممّا يستحق حتى لساعة ، ولابدّ أن تكون كل البرامج في سبيل تعليم وتربية السجين ، وبتعبير آخر ، ينبغي أن يكون السجن مركزاً للتربية والتهذيب لا مركزاً لتخريج المجرمين والحاقدين ، فلابدّ أن يتصف السجن بمواصفات درس التربية . ومن قصة النّبيّ يوسف عليه السلام ومدّة سجنه في مصر ، يستفاد بشكل جيد أنّ تلك السجون كانت على درجة عالية من الظلم والاضطهاد بحيث أنّ بعض السجناء كان يبقى طيلة عمره في السجن ، وفقط بعض المصادفات أو الحوادث غير المترقبة هي التي كانت تلفت انتباه الظلمة والحكام إلى السجناء ، ولو لم تقع تلك الحادثة لبقي السجين إلى آخر عمره في السجن ، بالضبط كما حصل ليوسف حيث إنّ الملك لو لم يرَ تلك الرؤيا ولو لم يعرف يوسف تفسير الأحلام ، لما التمس عزيز مصر تفسير رؤياه من يوسف ولما بعث خلفه ولبقي يوسف ، إلى آخر عمره في السجن ، في حين أنّه لم يرتكب أي ذنب ، وذنبه الوحيد هو طهارته وتقواه وعدم انصياعه لرغبات وأهواء زوجة عزيز مصر ( زليخا ) ، وبطبيعة الحال فإنّ هذه التقوى والطهارة ليست ذنباً صغيراً في قاموس مثل هذه البيئة المنحطة المتسافلة ! والقرآن الكريم يحدثنا كيف أن يوسف الصديق حاول أن يحوّل بيئة السجن إلى محيط للتربية والتعليم والإصلاح ، فكان يعلم السجناء درس التوحيد وعبادة اللَّه وهو أصل كل طهارة وحسن ، فمتى ما سُئل يوسف عن مسألة بسيطة ، أو طلب منه تفسير رؤيا عابرة ، كان يطرح المعارف الإلهيّة ويبين المسائل التربوية للسجناء . قال تعالى حكاية عن لسان يوسف : « يَا صَاحِبَىِ السِّجْنِ ءَارْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ امِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ * ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ الَّا اسْماءً سَمَّيْتُمُوهَا انْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَّا انْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطانٍ انِ الْحُكْمُ الَّا للَّهِ امَرَ الَّا تَعْبُدُوا الَّا ايَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ اكْثَرَ النَّاسِ لَايَعْلَمُونَ » . ( يوسف / 39 - 40 ) فصحيح أنّ يوسف عليه السلام كان سجيناً من السجناء ، ولكن عمله ذلك كان دليلًا على أنّه لو كان على رأس السلطة لكان يمارس نفس العمل التربوي مع السجناء في محيط السجن بالأولوية ، ولحوّل بيئة السجن إلى مركز للتعليم والتربية الإلهيّة ، ولبذل كل جهده من أجل