تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات القرآن — صفحة 191

مساهمون:

ص١٩١
لكن على أيّة حال فلا شكّ في دلالة الآية على اطّلاع الأنبياء على أسرار الغيب عن طريق التلقين الإلهي . أمّا فيما يتعلّق بجملة « لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا . . . » ، التي جاءت بعد هذه الآية ، وكيفية ارتباطها بالآية التي قبلها ، فللمفسّرين احتمالات كثيرة معظمها على خلاف ظاهر الآية ، وتؤدّي إلى انعدام الانسجام بين الضمائر ، بل وحتّى بين الجمل في الآية . والذي يبدو أقرب إلى الصواب هو أنّ الضمائر في « لِيَعْلَمَ » و « أَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ » و « أَحْصَى كُلَّ شَىْءٍ عَدَداً » عائدة كلّها إلى لفظ الجلالة « اللَّه » ، وأنّ الضمير في « أَبْلَغُوا » إمّا إشارة إلى الأنبياء أو إلى الملائكة الإلهيين المأمورين بإبلاغ الوحي ، وبناءً على هذا فمفهوم الآية بمجموعها هو : « إنّ الهدف من تعليم أسرار الغيب أو مراقبة الملائكة لكي يعلم اللَّه أنّ رسله قد أبلغوا رسالات ربّهم ، وأنّه تعالى قد أحاط بما لديهم وأحصى كلّ شيء عدداً » . طبعاً ليس المراد من جملة « لِيَعْلَمَ » أنّه لم يكن يعلم شيئاً ثمّ علم ، بل المراد هو التحقّق العيني لعلم اللَّه والذي يُعبَّر عنه بالعلم الفعلي ، أي أنّ الهدف كان حصول علم اللَّه حول إبلاغ الرسالة وتجسّده خارجاً . فالنتيجة هي أنّ علم الأنبياء عليهم السلام بأسرار الغيب عن طريق اللَّه تعالى أو الملائكة ، يكون السبب وراء إكمال إبلاغ الرسالة وتحكيم أسس النبوّة ( تأمّل جيّداً ) . والآية الثانية وبعد نفيها لاطّلاع عامّة الناس على الغيب استثنت الأنبياء عليهم السلام ، يقول تعالى : « وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِى مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ » . مع أنّه لم تبد هناك إشارة صريحة في هذه الآية إلى مسألة اطّلاع الأنبياء عليهم السلام على أسرار الغيب للوهلة الأولى ، لكن نظراً لكون جملة « ولكِنَّ اللَّهَ . . . » مشعرة بالإستدراك والاستثناء ، فسيكون مفهوم الآية هو أنّه ينتخب فريقاً من الرسل ويعلّمهم من أسرار الغيب « 1 » .
هامش
( 1 ) جمهور المفسّرين اتّخذوا هذا المعنى في تفسير الآية ، لكن البعض ذكر احتمالات واهية لتلك الآية لا علاقة لها بمسألة اطّلاع الأنبياء على علم الغيب ، وسبب النزول الذي ورد في البعض من التفاسير مثل روح المعاني شاهد على ذلك التفسير المشهور أيضاً .