تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات القرآن — صفحة 188

مساهمون:

ص١٨٨
هذا الكلام أيضاً كان ردّاً على المشركين المعاندين ، الذين يطلبون منه كلّ يوم معجزة ثمّ لم يقتنعوا حتّى بمشاهدتها ، كما كانوا يطلبون منه أن يطلعهم على أسرار الغيب . واعلم جيّداً أنّ جملة « إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَىَّ » الواردة في ذيل الآية هي إحدى المفاتيح لحلّ غوامض علم الأنبياء عليهم السلام ، والتي سنتكلّم عنها بالتفصيل ان شاء اللَّه . كما ورد نظير هذا المعنى وبتفاوت ضئيل في الآية : « وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ » . ( هود / 31 ) هذا التفاوت هو أنّ الأولى كانت على لسان نبي الإسلام صلى الله عليه وآله والثانية على لسان نوح عليه السلام . ونلاحظ في الآية الخامسة تعبيراً جديداً حول هذا الموضوع ، حيث يؤمر النبي بنفي علم الغيب عن نفسه باستدلال لطيف ، إذ يأمره تعالى : « قُلْ لَاأَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعاً وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِىَ السُّوءُ » . مع أنّ هذه الآية قد جاءت بعد الآية التي تتحدّث عن موعد يوم القيامة ، وانحصار علمه باللَّه تعالى ، لكن مفهومها واستدلالها أوسع كثيراً . ومن البديهي أنّ الكثير من المنافع التي تفوت الإنسان أو الأضرار التي تلحق به ناشئة من عدم وقوفه على عاقبة الأمور وأسرار الغيب ، ولو كان له اطّلاع عليها لتجنّب شرّها ولجلب لنفسه خيرها ، فعجزه عن ذلك دليل على عدم اطّلاعه على أسرار الغيب . في سادس آية يعتبر علم الغيب إحدى الصفات الخاصّة باللَّه تعالى حيث يقول : « عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ » . هذا التعبير الذي ورد في عدّة آيات من القرآن « 1 » باعتباره إحدى الصفات البارزة للَّه
هامش
( 1 ) الأنعام ، 73 ؛ التوبة ، 94 و 105 ؛ الرعد ، 9 ؛ المؤمنون ، 92 ؛ السجدة ، 6 ؛ الزمر ، 46 ؛ الحشر ، 22 ؛ الجمعة ، 8 ؛ التغابن ، 18 .