تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات القرآن — صفحة 83

مساهمون:

ص٨٣
قد يُقال : إنّ الإنسان صنع أجهزة قيّمة أكثر أهميّة من خلق الذباب كالسفن الفضائية والعقول الألكترونية المعقدة وأمثال ذلك . ولكن هذا خطأ كبير وقياس باطل ، إذ ليس للسفينة الفضائية أو العقل الألكتروني أي نمو أو تحول ذاتي ويستحيل أن ينجب مثيله ، ولا يمكن من داخل نفسه ترميم ما يطرأ عليه من الأضرار ، فهو لا يُصلح قطعاته التالفة أبداً ، ويحتاج إلى الهداية والقيادة من خارجه ، والحال أنّ للذبابة من هذه الوجوه أفضلية واضحة على تلك السفينة الفضائية أو جهاز الكومبيوتر ، ولكن كثرة الذباب أدى إلى تصوره من قبلنا كموجود حقير ولا أهميّة له ، ولو كانت هنالك ذبابة واحدة فقط في العالم لاتّضح آنذاك مدى ما سيوليه العلماء لها من الاهتمام . وفضلًا عن هذا فإننا لا نحتاج أساساً إلى هذه المفاضلة ، فالهدف هو إيضاح أن بناء الكائن الحي حتى لو كان خلية واحدة والتي أشرنا إليها إشارات واضحة في البحوث الماضية ، على قدر من الغموض والتعقيد بحيث يدلّ على أنّ صانعه ذو علم وقدرة غير متناهيين وذو اطلاع تام بقوانين الحياة المعقدة ، وبتعبير أصح أنّه هو الذي وضع هذه القوانين . كيف يمكن أن تحتاج معرفة ظاهرة كهذه إلى كل هذا العقل والشعور ولا يحتاج صنعها إلى أي عقل أو شعور ؟ ! وهذا هو الأمر الذي نحن في صدد إثباته في هذه البحوث ، والذي يشكل هدف القرآن من الآيات المذكورة وآيات مشابهة أخرى . نختم هذا الحديث بذكر نقطة ، وهي أنّ الحياة والعيش رغم أنّها من أبرز الظواهر ، ولكن حقيقتها غير واضحة لحدّ الآن لأحد ، إنّ ما نراهُ هو آثار الحياة التي تمثل ( النمو والتحول والتغذية والتناسل ، والاحساس والحركة والتفكير ) ، ولكن ما هي تلك الحقيقة التي تكون بمثابة المصدر لهذه الآثار ؟ لا يعلم أحد بذلك لحد الآن ، وما زالت العقول في حيرة من ذلك .