مناطق العالم ، إلّاأنّ العوامل المدمرّة التي أشرنا إليها آنفا جعلتهم يهيمون في ليلٍ مظلمٍ .
نختتم هذا البحث المختصر بحديثٍ عن الإمام علي عليه السلام ورد في نهج البلاغة ، يقول :
« انظروا إلى النملةِ في صِغرِ جُثتها ولطافةِ هيئتها لا تكادُ تُنالُ بلحظِ البَصرِ ولا بمُستدركِ الفكَرِ كيفَ دبَّت على أرضها ، وصُبَّت على رزقها تنقُلُ الحبَّةَ إلى جحرِها وتُعِدُّها في مستقرها ، تجمعُ في حَرِّها لبردها ، وفي وِردِها ، لصدرِها » « 1 » .
4 - سعةُ الرزق وضيقه
وردَ في الآيات أعلاه أنَّ اللَّه تعالى يبسطُ الرزقَ لمن يشاء ويُضيقَهُ على مَنْ يشاء ، وهذا التعبير الذي تكرَّر في آياتٍ عديدةٍ يمكنُ أن يُوجدَ هذا الخلط وهو أنَّ نظام الرزق خارجٌ عن إرادة الإنسان بشكلٍ كامل ، طبقاً لذلك فلو تَنَعَّمَ قومٌ وحُرمَ آخرون فهذه مشيئة اللَّه وليس ما كسبته أيدينا وليس لنا حول ولا قوّة ! ويُمكن أن يكون هذا مكسباً جيداً لُاولئك الذين يشكلون على أصل الدين ويعتبرونه وليداً للحركات والمشاريع الاستعمارية .
ولكن لو تأملنا في هذه الآيات والروايات وفكّرنا في أسباب ضيق الرزق وسعَته لتجلّى لنا تفسير هذه الآيات وأسرارها وسيتم القضاء على تلك الأفكار الهدّامة ، ونتوصل إلى أمور مهمة وقيمّة للغاية .
لقد قلنا مراراً أنَّ التعبير ب « الإرادة الإلهيّة » لا يعني الإرادة التي تخلو من الحساب والكتاب ، بل الإرادة الممتزجة ب « الحكمة » .
إنَّ حكمة اللَّه تقتضي أنّ من يسعى ويجتهد ويُخلصُ ويُضحي أكثر ، يكون رزقه أوسعُ :
« وأَنْ لَّيْسَ لِلِانْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى » . ( النجم / 39 )
و « كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِيْنَةٌ » . ( المدثر / 38 )
« وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَايَحتَسِبُ » . ( الطلاق / 2 - 3 )
هامش
( 1 ) نهج البلاغة خ 185 .