الذي يمد الكائنات بالحياة ، ومن أنواع المواد الغذائية الموجودة في أعماق الأرض وتظهر على هيئة ثمراتٍ وغلاةٍ وخضروات .
ثم لا يَدَعُ النبي صلى الله عليه وآله ينتظر جوابهم فيردّ الجواب قائلًا : « قُلِ اللَّه وَإِنَّا أَو إِيَّاكُم لَعَلى هُدىً أَو فِى ضَلالٍ مُبِينٍ » .
ولأنَه لا تجتمع عقيدتان متناقضتان ، وبما أنّكم لا تملكون دليلًا يثبتُ أنّ الأصنام هي منشأ البركات ، يتضح اذن أننا نتبع الحقَّ وأنتم في ضلالٍ مبينٍ .
ولو لاحظنا هنا أنَّ النبي صلى الله عليه وآله لم ينتظر جوابهم ، لأنَّهم في الواقع لا يملكون جواباً لهذا التساؤل ، سوى السكوت الممزوج بالخجل ، وعليه يجب على المتكلِّم الفصيح أن يُمسكَ بزمامِ الحديث في مثل هذه الحالات ويقدِّمَ الجوابَ بنفسِه .
وأحدُ فنون الفصاحةِ هو أنْ يُلقى الكلام الغامض على الخصوم من خلال الحوار ويترك الفصل لهمْ ، لهذا يقول هنا : « وَإِنَّا أَو إِيَّاكُم لَعَلى هُدىً أو فِى ضَلالٍ مُّبِينٍ » ومن المسلَّم به أنَّ الضّالَ والمهتدي يتضحُ هنا ، ومن الأفضل أن تبقى العبارةُ غامضةً في الظاهر كي لا يتمادى هؤلاء في عنادهم ، وأن يُكلِّفوا أنفسهم عناء الاستنتاج .
والعجيب أنَّ بعضَ المفسِّرين يعتقدون أنَّ هذه العبارة من قَبيل « التقيّة » في الوقت الذي لا مجال للتقيّةِ هنا ، والأمرُ مشكوفٌ بجلاء - ولكن بشيء من اللطافة - ، وحيث يقول في البداية : « إنّا » ثم يقول : « أنتم » ويتابع قائلًا على « هدىً » أو على « ضلال » ، وهذا التسلسل يوضحُ الأمرَ أكثر .
وفي الآية التاسعة ، بعد أن أشارَ إلى نزول المطر المبارك من السماء ، استند إلى ثلاثة أصنافٍ من الارزاقِ التي يستفيد الجميع منها ، فيقول : « وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّماءِ مَاءً مُّبارَكاً فَأنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الحَصِيْدِ » .
نفحات القرآن — صفحة 284
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٢٨٤