تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات القرآن — صفحة 281

مساهمون:

ص٢٨١
الإرادة الممتزجة مع الحكمة وإلّا ليس للَّه‌مشيئةٌ بدونِ حكمه سواء كان هنا أم في باقي الموارد . علماً أنَّ ضيق الرزق في هذه الآية ( والآيات العشر ) المذكورة لا يعني مُطلقَ الحرمان من الرزق ، حتى يتعارض مع الآيات الآتية التي تقول : « وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِى الأَرْضِ إِلَّا عَلى اللَّهِ رِزْقُهَا » . ( هود / 6 ) بل المقصود قلةُ الرزق وفي نفس الوقت وجود الحد الأدنى والكافي منه . وفي الآية السادسة بعد أن يؤكّد على هذه النكتة وهي : أنَّ اللَّه لا يحتاجُ عبادَهُ وحينما يدعوهم إلى عبادته فليس بسببِ حاجته فيقول تعالى : « إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَاقُ ذُو القُوَّةِ الْمَتِيْنُ » . ( الذاريات / 56 - 57 ) و « الرزّاق » : صيغةُ مبالغةٍ تعني كثير العطاء ، وهذا يصدقُ بخصوص ذاته المقدّسة فقط ، حيث جلست الكائنات الحية في كلِّ زاويةٍ من هذا العالم العريض : على الجبال ، في بطون الصخور ، في أعماق الوديان ، في قاع البحار ، وباختصارٍ في كلِّ زاويةٍ وجانبٍ من هذا العالم العظيم على مائدة احسانِه ، متنعمة بامداداته وفيضه . وبما أنَّ مثل هذا العطاء والبذل الواسع وغير المحدود يحتاج إلى قدرةٍ وقوةٍ تامةٍ ، فقد ذَكر بعد هذا وصفين آخرين : « ذُو القُوةِ » و « الْمَتِيْنُ » وهي من مادة « متن » وتعني في الأصل العَضلتين اللتين تحيطان بالعمود الفقري ، وتقومان بشَدِّ عضلات ظهر الإنسان من أجل انجاز الأعمال الشاقة ، وهنا كنايةٌ عن القوة والاقتدار الخارق . وفي الواقع أنَّ هذه الجملة وصفٌ للذات الإلهيّة المقدّسة في بذل الأرزاق ، لأنَّ هذه الصفة تخصُهُ فقط ، وأمّا الآخرون فكل ما يملكون فهو منه جلَّ وعلا ، وإذا استعمل وصف « الرزاق » لبعض الناس أو للأسباب الطبيعية فهو يعني في الحقيقة الواسطة في انتقال فيوضاتهِ وليس الفّياض وخالق النِّعم .
نفحات القرآن — صفحة 281 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي