تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات القرآن — صفحة 282

مساهمون:

ص٢٨٢
واستند في الآية السابعة إلى موضوعٍ آخر وهو شمول رزق اللَّه لكلِّ الدّواب ، هذا العمل الذي لا يمكن حصوله بدونِ احاطةٍ وعلمٍ كامل بجميع موجودات العالم ، فلابدّ أن يعرفَ المُضيِّفُ عددَ ضيوفهِ سلفاً ، وكذلك مقدار حاجاتهم وأذواقهم ، كي يتمكنَ من تقديم الطعام الملائم لهم ، لهذا يقول في هذه الآية : « وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِى الأَرْضِ الَّا عَلىَ اللَّهِ رِزْقُهَا » . ويُشير هذا التعبير بجلاء إلى أنَّهُ قد تكفَّلَ برزق عباده ، كي يَحدَّ من حرص وطمع بعض الناس واضطراب وقلق بعضهم الآخر من جانب ، ومن جانبٍ آخر يبرهنُ على أنّه لو شوهدت شحةٌ في الأرزاق ، فهي مفتعلة ومن المؤكد أنّها حصلت نتيجة لظلم جماعةٍ من الناس وهضم الحقوق ، والاحتكار وافتعال الأزمات الكاذبة أو في النهاية بسبب عدم السعي للاستفادة من هذه المائدة الإلهيّة المبسوطة ، تلك هي الأسباب التي يؤدّي كلٌّ منها أو مجتمعة ، إلى حرمانِ بعض الناس من رزقهم وقوتهم ، وإلّا فانَّ اللَّه قد ضمنَ رزقَ كلّ الدَّواب . وبما أنَّ ايصالَ الرزق لهم يُعدّ متعذراً بدونِ علمٍ كاملٍ بأماكنهم وخصائصهم فهو يقول في سياق الآية : « وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا ومُسْتَوْدَعَهَا » . وكلُّ ذلك مسجّلٌ في كتابٍ جلّيً ( هو اللوح المحفوظ ، لوح علم الخالق ) « كلٌّ فِى كِتابٍ مُبِيْنٍ » . و « دابَّة » : من مادة « دبيب » « وتعني المشي البطيء » ويُطلقُ هذا اللفظ ( دابّة ) على البهائم والحيوانات والحشرات ، بالرغم من استعمالهِ بخصوص الخيل في بعض الموارد ، إلّاأنّ المسلَّم به هنا أنّه ذو معنىً واسعٍ وشاملٍ حيث يشمل جميع البهائم « 1 » . ولفظ « مُستَقَّر » يعني المقر ، والمكان الثابت ، وهو مأخوذ في الأصل من مادة « قُرّ » على وزن ( حُرّ ) وتعني البرد القارص الذي يجعلُ الإنسان جليسَ الدار . و « مُستَوْدَع » : يعني المكان غير الثابت ، وهي من مادة « وديعة » وتعني في الأصل ترك واطلاق الشيء ، ولهذا يقال للُامور غير المستقرة « مستودع » .
هامش
( 1 ) إنَّ « التاء » في « دابّة » لا تدل على التأنيث ، بل تشمل جميع الحيوانات مذكرها ومؤنثها ، وبتعبير آخر أنَّ تأنيثها لفظيٌ وليس حقيقياً ( مفردات الراغب وتفسير الكبير ، ج 17 ، ص 185 ) .
نفحات القرآن — صفحة 282 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي