وقد نقوم بخزنها عن طريق تجميدها في قمم الجبال على هيئة جليد وثلجٍ كي تصبح ماءً بشكلٍ تدريجيٍ ، ونسقيكم أنتم وحيواناتكم ومزارعكم ، وربّما تكون المياه التي تنحدر من القمَّة الفلانية اليوم مخزونةً منذ ملايين السنين .
وفي الآية التاسعة ، فبالإضافة إلى إشارته إلى نزول الأمطار من السماء ، فهو يشير إلى مسألة تكوُّنِ الينابيع ، فيقول : « أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ انْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيْعَ » .
و « ينابيع » : جمع « ينبوع » وتعني العَيْن ، وهي في الأصل مأخوذة من مادة ( نَبْعْ ) وتعني انبثاق الماء من الأرض ، ومن الطبيعي إنَّ تكوُّنَ الينابيع في الأرض الذي يجعل الإنسان يستفيد من الماء الجاري بدون الحاجة إلى قوة أخرى ، يتبع ظروفاً خاصةً أولُها : أن تكون طبقة الأرض قابلة للاختراق كي يتغلغل الماء خلالها ، ثم يجب أن يكون ما تحت هذه الطبقة صلداً كي يتوقف الماء ويُخزنَ هناك ، وأن يكون هناك فارقٌ في المستوى بين خزانات المياه والمناطق الأخرى حتى ينسابَ الماء من هناك إلى بقية النقاط ، ومن المسلَّم به استحالةُ تناسق هذه الأمور لولا تخطيط مُبديء العلم والقدرة .
ويضيف في سياق الآية : « ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعَاً مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ » .
فيمكنُ أنْ يكون اختلاف الألوان هذا إشارة إلى ألوان النباتات المختلفة تماماً ، أو إشارة إلى أنواع النباتات وأزهار الزينة والأعشاب الطبية والصناعية والخضروات التي يأكلها الإنسان والتي لها أنواع لا تحصى في الواقع .
أَجَل . . إنّ اللَّه تعالى يستخرج من هذا الماء الذي لا لون له مئات الآلاف من ألوان الورود والنباتات المنتشرة في هذه الرياض الكثيرة ، وكما يقول الشاعر نقلًا عن اللغة الفارسية :
فإذا توصَّلت إلى أسرارها * ستعرف أنّ هذا هو سر الأسرار
حيث هناك واحدٌ ولا يوجد غيره * « وحده لا اله إلّاهو »
لهذا فهو يقول في نهاية الآية : « إِنَّ في ذلِكَ لَذِكْرى لأُولى الألْبَاب » .