ويستند في نهاية الآية على هذين الموضوعين كوثيقةٍ لإثبات وحدانية اللَّه تعالى ، ويخاطب المشركين : « أَ إِلهٌ مَعَ اللَّه تَعَالى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ » ، ولعلَّ ذكرُ هاتين الهِبَتين معاً إشارةٌ إلى هذا المعنى وهو عندما يكون الجو صافياً يمكن الاستفادة من النجوم ليلًا في الاهتداء إلى الطريق للوصول إلى الهدف ، وإذا كان الجو غائماً فثمة رحمة أخرى وهي المطر ينالها الإنسان ، إذنْ ففي كلا الحالتين هناك موهبة ورحمةٌ ، وهو برهانٌ لمعرفة الذات الإلهيّة المقدّسة .
وفي الآية الثامنة إشارة إلى مسألة الرياح ونزول الأمطار بتعبيرٍ جديد ، فيقول :
« وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَواقِحَ » .
هل أنّ المقصود من الآية الكريمة هو حمل حبوب اللقاح بواسطة الرياح لتلقيح النباتات التي ستحمل الفواكه والثمار من بعد ذلك ، أم المقصود هو تلقيح السحاب لكي يحمل المطر ؟
وبالنظر لقوله في تكملة الآية : « فَأَنْزَلنَا مِنَ السَّماءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ » ، فيظهر أنّ المعنى الثاني أكثر تناسباً ، بالرغم من إمكانية الاستفادة من المعنيين معاً .
على أيّة حال ، فانَّ التعبير أعلاه تعبيرٌ لطيفٌ جدّاً حيث شَبَّه قِطعَ الغيوم بالأمهات والآباء ، فتتلاقح هذه الغيوم عن طريق الرياح ثم تحملُ ، وتضعُ جنينها أي قطرات الأمطار على الأرض !
ويشيرُ في ختام الآية إلى المياه الجوفية المخزونة تحت الأرض ، والتي هي من الذخائر الإلهيّة للناس ، فيقول : « وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ » .
فنحن الذين أمرنا طبقات الأرض أن تحتفظ بمياه الأمطار الصافية في داخلها ، وقد تكون الآبار والقنوات التي تستخدمونها اليوم هي من احتياطي المياه التي ذُخرت لكم منذ ملايين السنين في باطن الأرض ، من غير أنْ تَتلوث أو تتعفن .
نفحات القرآن — صفحة 198
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص١٩٨