وبغض النظر عن كون الغيوم هي السبب في هطول الأمطار ، فإنّ الغيوم لوحدها تعتبر ظاهرة عجيبة أيضاً ، لأنّها تحتفظ ببحارٍ من المياه وهي معلقةٌ بين الأرض والسماء « 1 » .
وتستَند الآية السادسة إلى مسألة مياه شرب الإنسان ، وتذكر موضوعاً جديداً حيث تقول : « أَفَرَأَيْتُم المَاءَ الَّذِى تَشْرَبُون * أَأَنْتُمْ أنزَلُتمُوهُ مِنَ المُزْنِ أَمْ نَحنُ المُنْزِلُونَ » ؟ ثم يضيف تعالى : « لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ » فلو أنَّ ماء البحر يصطحبُ أثناء تبخره إلى السماء ذرّات الأملاح الصغيرة ، وتنزلُ المياه المالحة والمرَّة من الغيوم لتحولّت الأرضُ إلى مملحةٍ ، فلا ينمو نباتٌ ، أو شجر ، وإذا أراد الإنسان أن يدفع الموت عنه أثر العطش لم يستطع أن يتجرع شربة من هذا الماء أبداً .
إنّ القدرة التي جعلت الماء يتبخر والأملاح الموجودة في مياه البحار تبقى في مكانها ، هذه العملية التي أثرت على حياة الإنسان وغيرت مجراها بل أثرت على أوضاع كل المخلوقات على وجه الكرة الأرضية ، هل يستطيع الإنسان أن يشكر هذه النعمة طيلة بقائه حياً في هذه الدنيا ؟
وكما قلنا فإنّ « المُزْن » تعني الغيوم الممطرة و « الأجاج » تعني الماء الشديد الملوحة أو المرارة .
وأشار في الآية السابعة إلى هِبَتَين عظيمتين أخريين من هِبات اللَّه إلى عباده وهما : هبة الهداية في ظلمات البر والبحر « بواسطة النجوم » ، وهبة ارسال الرياح كمبشِّراتٍ قبل نزول أمطار رحمته ، فحيثما تنزلُ الأمطار تصدحُ الحياة بنغماتها وتكون أساساً لأنواع الخير والبركة .
هامش
( 1 ) يجب الانتباه إلى أنّ السحاب : البخار المتراكم وتسميه العرب ( ضباباً ) - بالفتح - مالم ينفصل من الأرض فإذا انفصل وعلا سُمّي ( سحاباً وغيما وغماماً ) ، ( تفسير الميزان ج 1 ، ص 411 ) .