والحقيقة أنّ الإنسان لا يعرف قَدْرَ النعمةِ إلّاإذا سُلبت منه ، فلو توقفت هذه الرياح والنسمات يوماً واحداً لأصبح العيش في أجملِ البساتين والمزارع أسوأ من العيش في مطامير السجون المظلمة ، ولو هبَّت نسمةٌ على طامورةٍ انفراديةٍ فهي تضفي عليها صبغة الفضاء الطلق . ولو توقَّفَت الرياح فوق سطح المحيطات ، وتوقّفت الأمواج ، فانَّ حياة الكثير من الاحياء المائية تتعرض إلى الخطر بسبب نقص الأوكسجين ، وتتبدَّل البحارُ إلى مستنقعات متعفنة رهيبة .
واهتَّم في الآية الثالثة بهذا الأمر أيضاً مع هذا التفاوت وهو اعتبار الرياحَ مقدمة لرحمته ، ووصفَ الغيوم ب « الثِّقال » أي ( الأحمال الثقيلة ، جمع ثقيل ) لانَّ الغيوم الممطرة اثقل من بقية الغيوم ، وتكون قَريبة من الأرض ، لذلك عبَّر عنها القرآن الكريم ب « الثِّقال » .
و « اقلَّت » : من مادة « إقْلالْ » وتعني حملُ شيءٍ يكون خفيفاً بالنسبة لقدرة الحامل ، فهو يعتبره قليلًا ولا قيمة له ، إنّ وجود هذا التعبير في الآية أعلاه يبرهنُ على أنّ الغيوم الثقيلة التي قد تحملُ معها ملايين الأطنان من المياه لا تُحمّلُ الرياح ثقلًا كبيراً ، وهذا عرضٌ لقدرة اللَّه تعالى .
وقد أشارت الآية الرابعة إلى أنّ ارسالَ الرياحِ لأداء هذا الدور العظيم هو أحد آثار عظمة الذات الإلهيّة المقدَّسة ، إذ يُحيي الأراضي الميتة بواسطة هذه الرياح .
والجدير بالذكر هنا هو أنّ الآية استعملت كلمة « تثير » أي أنّ الرياح تُثير السُحبَ ، وقد يكون هذا التعبير إشارة إلى تكوُّنِ الغيوم بسبب هبوب رياح المناطق الحارّة على سطح المحيطات حيث تؤدّي إلى تكاثف الغيوم ، لأنَّ مسألة حركة الغيوم اخِذَتْ بالاعتبار في
نفحات القرآن — صفحة 195
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص١٩٥