تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 339

مساهمون:

ص٣٣٩
تقدّم مكرّرا ، فعن علي عليه السّلام في تعريف قدرته تعالى : « لا يعجزه شيء » ، وفي إحاطته تعالى : « لا يمنعه شيء » ، وفي حياته : « لا يموت » ، وفي قيموميته : « لا وجود ولا دوام إلّا به » وهكذا . وتدلّ على ما تقدّم من أنّ الكمال المطلق منحصر به تعالى وأنّ صفاته جلّ شأنه عين الكمال الحقيقي بالأدلّة العقليّة والنقليّة . أمّا الأولى ، فهي كثيرة ، أهمّها هو : أنّه تعالى جامع لجميع الصفات الكماليّة . فلا يعقل كمال فوق ذلك ، وإلّا استلزم الخلف أو النقص الّذي في حقّه محال . وأنّ الكمالات كلّها فيوضات ترجع إليه تعالى وتصدر منه ، فلا يعقل أن يكون معطي الشيء فاقدا له . على أنّه لا تحديد لقدرته فتتعلّق القدرة بما سواه ، فكلّ كمال تحت قدرته وذاته فوق الكمال ؛ ولذا قال بعضهم : سلب الكمال في حقّه محال . مع أنّه خالق كلّ شيء ، فمقتضى إيجاده لكلّ شيء أن يكون جامعا للكمالات ، وأنّها ترجع إليه سبحانه وتعالى ، وإلّا استلزم الخلف ولا يكون خالق كلّ شيء ، وقد ثبت في محلّه أنّه جلّ شأنه بوحده خالق كلّ شيء ، وفي الحديث : « نعمتان ما خرج موجود عنهما ، نعمة الإيجاد ونعمة الإمداد » ، وهناك أدلّة أخرى مذكورة في المفصّلات من الفلسفة الإلهيّة . واما الأدلّة النقليّة ، فهي كثيرة ، أهمّها هي : الآيات الشريفة الدالّة على نفي الشريك بتعابيرها المختلفة ، فإنّها تدلّ على نفي الشرك في الذات وفي الصفات ، وهذا عين الكمال الحقيقي ، وإفاضة الكمالات منه إلى العوالم وإضافة كمالاتها إليه كمال آخر منحصر به تعالى . وكذا قوله تعالى :
فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً
[ سورة النساء ، الآية : 139 ] ، فالعزّة بمعناها الوسيع غير المتناهي له جلّت عظمته ، فتشمل جميع الكمالات ؛ لأنّها من أجلى مصاديق العزّ ، وبمقتضى الحصر في الآية المباركة تكون الكمالات كلّها له ومنه وإليه .