تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 318

مساهمون:

ص٣١٨
وذيل الآية الشريفة :
وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ
يدلّ على تشديد الأمر في الموعود الّذي وعده عزّ وجلّ . هذه خلاصة ما يمكن أن يستفاد من هذه الآية المباركة بضميمة ما ورد في القرآن الكريم والسنّة الشريفة . ومن ذلك كلّه تعرف أنّ ما ذكره بعض المفسّرين والعلماء في تفسيرها إنّما هو بعيد عن سياقها . قوله تعالى :
فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ
. عود إلى صدر الكلام الّذي حرّم جملة من أصناف الميتة ، وبيان لحكم ثانوي اضطراري ، والاضطرار : افتعال من الضرر ، والمراد به الوقوع في الضرورة . والمخمصة : المجاعة الّتي تورث خمص البطن وضموره ، بحيث يخاف معها الموت ، أي : فمن وقع في ضرورة من مجاعة تعرض للإنسان تلجأه إلى تناول شيء من المحرّمات المتقدّمة ، فلا إثم عليه . قوله تعالى :
غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ
. الجنف : الميل والانحراف ، وتقدّم الكلام في اشتقاق هذه الكلمة في قوله تعالى :
فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً
[ سورة البقرة ، الآية : 183 ] ، وفي الحديث : « إنّا نرد من جنف الظالم مثل ما نرد من جنف الموصي » . والمراد به عدم تجاوز الحدّ عن ما يوجب رفع الضرورة والأكل زائدا على ما يمسك به رمقه ويسكن به ألم جوعه ، فإنّ التجاوز عنه يكون إثما ؛ لأنّ الضرورات إنّما تتقدّر بقدرها ، ويبيّن المقام قوله تعالى :
فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ *
، أي : غير طالب له ولا متعدّ في الأكل ومتجاوز عن قدر الضرورة ، وقد تقدّم في سورة البقرة ما يتعلّق بذلك . والآية المباركة تدلّ على أنّ الأحكام الثانويّة إنّما تتحدّد بقدر الضرورة الّتي أوجبت تشريع الحكم ، فإذا ارتفعت يرتفع ذلك ، كما هو مفصّل في كتب أصول الفقه .