تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 316

مساهمون:

ص٣١٦
الأمر الّذي شرّعه عزّ وجلّ في هذا اليوم ؛ فلذا ارتضى جلّ شأنه هذا الإسلام دينا تامّا كاملا لا يعوزه شيء آخر ولا يحتاج إلى مكمّل ، وسيبقى مدى الدهر يقاوم الصعاب ويصمد أمام كلّ صروف الزمان ، لا يثنيه تشكيك المبطلين ولا زيغ الزائغين الضالّين . وأمّا النعمة ، فهي عبارة عمّا يلائم طبع الشيء من غير امتناعه منه ، وهي من الإمدادات الربوبيّة للإنسان يتصرّف فيها في سبيل سعادته الحقيقيّة ، وقد كثر ورودها في القرآن الكريم ، قال تعالى :
وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها
[ سورة إبراهيم ، الآية : 34 ] ، وذلك لحكم كثيرة ، منها الإعلام بأنّها من شؤون ربوبيّته العظمى لخلقه ، وتذكيرا للمنعم عليه بالمنعم ليشكره على ما أنعم ، وإرشادا له بإيفاء حقّ النعمة ، وبيانا بأنّ نظام التدبير قائم بها على نحو تكون بينها وحدة مترابطة متكاملة . وهي بحدّ نفسها توصف بالخير والحسنة ؛ لأنّها توافق الغرض الإلهي الّذي خلق من أجله الإنسان ، قال تعالى :
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
[ سورة الذاريات ، الآية : 56 ] ، فكلّ ما أوجب التقرّب إليه عزّ وجلّ وابتغاء مرضاته والتعبّد لديه تكون نعمة ، وإلّا كانت نقمة وشرّا . ولعله لأجل ذلك وصف سبحانه وتعالى بعض النّعم الإلهيّة في القرآن الكريم بصفات غير محمودة ، قال تعالى :
وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ
[ سورة آل عمران ، الآية : 178 ] . كما وصف عزّ وجلّ الدنيا الّتي هي من أهمّ النعم الربوبيّة بأنّها متاع قليل ، قال تعالى :
لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ * مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ
[ سورة آل عمران ، الآية : 197 ] ، وقال تعالى :
وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ
[ سورة العنكبوت ، الآية : 64 ] . وإنّما وصفها عزّ وجلّ بتلك الأوصاف لأنّها لم تستغل من قبل الإنسان في الغرض الّذي عيّنه خالقها لأجله ، وهو الدخول في ولايته عزّ وجلّ بالعمل بوظائف العبوديّة .