تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 179

مساهمون:

ص١٧٩
تبليغ أحكامه عزّ وجلّ وتشريعاته المقدّسة ، والإيمان بأنّهم حقيقة واحدة بالنسبة إلى الوحي ، بلا فرق بينهم من هذه الجهة إلّا في سعة التكاليف الّتي أنزلها اللّه تعالى عليهم وضيّقها ، ولكن الوحي واحد ، ولذا عدّد عزّ وجلّ ذكر الأنبياء في المقام ؛ لبيان أنّهم وإن كثروا في الأفراد إلّا أنّهم واحد في الوحي كما تقدّم ، ويدلّ على ذلك أنّ اللّه تعالى حكى عن الّذين استثناهم بقوله تعالى :
لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ
- إلى قوله تعالى -
إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ
الدال على أنّه بمنزل التعليل لإيمانهم . كما أنّ المستفاد من هذه الآيات الشريفة أنّ من شروط الإيمان الواقعي والرسوخ في العلم ، هو العمل بما علمه الإنسان . ويستفاد من قوله تعالى :
لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ
أنّ اللّه تعالى من عظيم لطفه بعباده وواسع رحمته أنّه لم يكل الإنسان إلى نفسه ، ولم يؤاخذهم بميثاق الفطرة ؛ لعلمه بأنّهم عرضة للهوى والانحراف وانتكاس الفطرة ، فأثبت لهم حقّا قد يطالبوه به يوم الحساب ، مع أنّ له الحجّة البالغة ، فأرسل الرسل لهدايتهم وإرشادهم إلى الكمال وتبيّن لهم الفطرة الّتي أودعها اللّه تعالى فيهم وتبعّدهم عن الفطرة المنحرفة الّتي تصدّهم عن الحقّ . وتدلّ الآية الشريفة على أنّ هذا الحقّ الّذي أثبته عزّ وجلّ لهم لم يكن عن ضعف منه وغلبتهم عليه تعالى ، بل كان عن حكمة متعالية رحمة بهم ، وقد أكّد ذلك بقوله تعالى :
وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً
، فهذه الآية المباركة درس عملي تربوي للإنسان بأنه لا بدّ من أن يبذل جهده في أن لا يثبت لغيره حقّا عليه يطالبه به في يوم لا يمكنه الأداء . كما أنّ قوله تعالى :
أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ
يدلّ على عظيم فضل ما انزل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله حيث تشرّف على سائر ما انزل على الأنبياء العظام عليهم السّلام بأنّه وحي