تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 178

مساهمون:

ص١٧٨

بحث دلالي

يدلّ قوله تعالى :
لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ
على فضل العلم وأثره الكبير في كسب الكمالات والحقائق الواقعيّة ، ولعلّ ذكر قوله تعالى :
وَالْمُؤْمِنُونَ
بعده ؛ لبيان أنّ هؤلاء هم المؤمنون حقّا ، ويؤكّد هذا أنّه عزّ وجلّ قد ذكر من أحوال أهل الكتاب عموما واليهود على الخصوص ، ووصفهم بالتذبذب وعدم الرسوخ في العلم وعدم الاستقرار على شيء من الحقّ مع ما استوثق منهم المواثيق المؤكّدة والعهود الغليظة . فتبيّن الآية فضل الّذين استثناهم اللّه تعالى ؛ لأنّهم اتّصفوا بأوصاف تدلّ على علوّ منزلتهم ورفيع مقامهم ، وعظيم أجرهم الّذي وعده اللّه عزّ وجلّ للمؤمنين . كما تدلّ الآية الشريفة على أنّ الإيمان مع العلم أعظم درجة من غيره ؛ لأنّهم تلبّسوا بحقيقته وعلموا بالذي اعتقدوه ، فآمنوا بالنبي صلّى اللّه عليه وآله وبما انزل إليه لما وجدوا أنّ نبوّته والوحي الّذي انزل إليه مثل ما أوحي إلى الأنبياء الماضين عليهم السّلام ، فكان إيمانهم عن علم ومعرفة ، بخلاف غيرهم ممّن وصفه اللّه تعالى بالغفلة ، فقال عزّ وجلّ :
لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ
[ سورة يس ، الآية : 6 ] . وممّا ذكرنا يظهر الوجه في ذكر :
وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ
؛ لأنّ الإيمان به يستلزم الإيمان بما انزل قبله ، للتأكيد على صدق إيمانهم ، ولأنّ المقام مقام الفرق بين المؤمنين حقّا وأهل الكتاب الّذين يدّعون الإيمان بما انزل إلى الأنبياء السابقين ، فاستدعي ذكر ما انزل قبلا . والآية الشريفة بمجموعها تدلّ على ما يوجب الرسوخ في العلم ، وهو الإيمان باللّه العظيم والإيمان بالأنبياء على أنّهم رسل اللّه تعالى ، بلا فرق بينهم إلّا ما فضّله اللّه تعالى بما ذكره عزّ وجلّ في هذا المقام وغيره ، وأنّ الغاية من بعثهم هي