تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 109

مساهمون:

ص١٠٩
قوله تعالى :
فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً
. جواب عن مسألتهم تتبيّن فيه حقيقتان : الأولى : أنّهم قوم متمادون في الجحود ومنغمسون في الجهالة والضلالة ، ينكرون الحقّ وإن جاءتهم البينة ، عرفوا بنقض العهود والمواثيق واشتهروا بالكذب والبهتان ، فمن كان هذا حاله لا يعتنى بمقترحاته ولا يجاب عن أسئلته ، ومن هنا عدّد عزّ وجلّ مظالمهم وموارد جحودهم على الحقّ وتمرّدهم على اللّه تعالى وأنبيائه العظام ؛ لمعرفة تلك المفاسد الأخلاقيّة وذلك الجحود والتمرّد على الحقّ . الثانية : أنّ اللّه تعالى أنزل القرآن مع التحدّي ، ومقارنا مع الشهادة منه عزّ وجلّ ومن ملائكته على صدقه وواقعيته ، فكلّ مقترح في إنزال كتاب آخر غيره يكون كذبا ومقترحة ( بالكسر ) كاذب وجاحد للحقّ ، وقد تكفّلت هذه الجهة آيات التحدّي الّتي وردت في مواضع متعدّدة من القرآن الكريم كما في سورة الإسراء ويونس وهود والبقرة ، وكذلك الآيات المباركة الّتي تدلّ على صدق القرآن وشهادته عزّ وجلّ عنه . وأمّا الآيات الكريمة في المقام فقد تكفّلت لبيان الجهة الأولى ، فذكر عزّ وجلّ في ردّهم أنّهم سألوا موسى عليه السّلام أكبر ممّا سألوا الرسول صلّى اللّه عليه وآله من تنزيل كتاب من السماء ، فقالوا :
أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً
، أي : واضحا نعاينه بأبصارنا ، وهذا السؤال يدلّ على غاية الجهل والطغيان والعناد ، فكان أكبر من سؤال إنزال الكتاب ؛ لأنّه يدلّ على العناد واللجاج فقط . وسؤال الرؤية وإن كان من أسلافهم إلّا أنّ الخلف لما كانوا على طريقة السلف وسيرتهم وهم جميعا في الأخلاق والصفات سواء ، فكلّ ما فعله السلف يسند إلى الخلف أيضا ، وقد أسند في القرآن الكريم أفعال السلف إلى الخلف في نحو ألف موضع ، وهو يدلّ على كمال الاتحاد بينهم ، قال تعالى :
وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ
[ سورة ] [ البقرة ، الآية : 49 ] ، وقال تعالى :
وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ