تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 112

مساهمون:

ص١١٢
الإلهية على هذا الأمر ولا يقدح أن تكون الآية المباركة إشارة إلى واقعة معينة ، فإنّه قد يترتّب حكم كلّي على واقعة جزئيّة ، كما هو معروف . قوله تعالى :
وَقُلْنا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ
. بيان لمورد آخر من موارد الميثاق ، أي : وقلنا لهم لا تتجاوزوا حدود اللّه تعالى ولا تحلّوا ما حرّمه اللّه تعالى في يوم السبت . ولكنّهم خالفوا أوامره عزّ وجلّ كما حكى عنهم في سورة البقرة . قوله تعالى :
وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً
. أي : وأخذنا منهم عهدا وثيقا مؤكّدا ليأخذوا التوراة بقوّة واجتهاد ويعملوا بها ويحفظوا عهودها وحدودها . وإنّما وصف الميثاق بكونه غليظا إمّا لأجل تعهّدهم بالعمل بالتكاليف الإلهيّة وحفظ التوراة ومراعاة عهودها والتزامهم إذا أعرضوا ، فاللّه تعالى يعذّبهم بأنواع العذاب ، أو لأجل عظمة الميثاق الّذي أخذ منهم ، وهو التصديق بنبوّة عيسى عليه السّلام ونبوّة خاتم الأنبياء صلّى اللّه عليه وآله ، الّتي بشّر بها في جميع الكتب السماويّة . قوله تعالى :
فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ
. تفريع على ما سبق ، وفيه تعداد لموارد ظلمهم وما خالفوا فيه من المواثيق والعهود . وبيان ما حلّ بهم من البلاء وما نالوا من الجزاء في الدنيا والآخرة . والمجرور متعلّق بما يأتي في الآية الشريفة . أي : بسبب نقضهم المواثيق وتحليلهم ما حرّمه اللّه تعالى عليهم وكفرهم ، وقتلهم الأنبياء بغير حقّ وقولهم : قلوبنا غلف ، وغير ذلك من جرائمهم ، فبسبب ذلك كلّه حرّمنا عليهم الطيبات وباءوا بالغضب وضربت عليهم الذلّة والمسكنة . وجوّز بعضهم أن يكون الجار متعلّقا بمقدّر ، وقيل غير ذلك ، وسيأتي في البحث الأدبي ما يتعلّق بذلك . وتعداد جرائمهم في هذه الآية الشريفة إنّما هو لبيان أنّها أفسدت جميع أخلاقهم ، وكدّرت صفاء نفوسهم ، وأطفئت نور فطرتهم ، فمرضت قلوبهم وساءت