تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 108

مساهمون:

ص١٠٨
وكيف كان ، فإنّ الظاهر من الآية الشريفة أنّهم اقترحوا من عند أنفسهم - جزافا وجحودا للحقّ ومن غير خضوع للحقيقة - إنزال كتاب من عند اللّه تعالى ، وكانوا يريدون من ذلك تشويه الأمر على المؤمنين الّذين آمنوا بالرسول صلّى اللّه عليه وآله وقلب الحقيقة عليهم وسلب الطمأنينة من نفوسهم ؛ لأنّهم طالما كانوا يواجهون المؤمنين بمثل هذه المقترحات الباطلة لتضعيف الإيمان في قلوبهم ، وإلّا فإنّهم كانوا يعلمون أنّ القرآن نزل مع التحدّي وعرفوا عجز الناس عن معارضته وتحديه ، وهذا شأن كلّ متمرّد على الحقّ ، ومن تعوّد الجحود والكفر . ولا يبقى بعد ذلك وجه للنزاع في أنّ المقترح هل هو كتاب خاصّ أو عامّ أو نحو ذلك ، بعد ما كان المناط هو معرفة نواياهم الخبيثة وكيدهم بالمؤمنين وجحودهم . ولقد شابهوا المشركين في هذا المقترح الباطل المعاند للحقّ الّذي صدر منهم في ابتداء الدعوة كما حكى عنهم عزّ وجلّ فقال :
لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ *
[ سورة يونس ، الآية : 20 ] وقال تعالى :
أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ
[ سورة الإسراء ، الآية : 93 ] . ثم إنّ المفسّرين ذكروا أنّ اليهود كانوا يغشّون المؤمنين ويغرّونهم بإنزال التوراة عليهم جملة واحدة ، وأنّ شريعة موسى عليه السّلام قد نزلت دفعة واحدة وكذلك الإنجيل ، فلم لم يكن القرآن كذلك وعلى خلاف تلك الكتب الإلهيّة ، وأرادوا من ذلك تضعيف الإيمان في قلوبهم وإثبات الشكّ في نفوسهم . ولكن الّذي يظهر من القرآن الكريم وبعض الفقرات في التوراة خلاف ذلك ، فإنّ التوراة لم تنزل دفعة واحدة ، وإنّ النازل كذلك هو الوصايا العشر الّتي نقشت في الألواح ، فأتى بها موسى عليه السّلام إلى قومه ، ولما رأى عبادة العجل ألقى الألواح كما حكى عنه عزّ وجلّ في القرآن الكريم ، وأمّا شريعته عليه السّلام فإنّها نزلت متفرّقة وعلى سبيل التدرج ولم تنزل مكتوبة جملة واحدة ، وسيأتي في الموضع المناسب تفصيل الكلام في كيفيّة نزول الكتب الإلهيّة إن شاء اللّه تعالى .