تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 294

مساهمون:

ص٢٩٤
عند النزال فلا يلحقهم الخوف من كثرة العدو وعدتهم . وانما أخر عز وجل « به » في المقام وقدمه في موضع آخر قال تعالى :
« وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ »
الأنفال - 10 . ولعل الوجه في ذلك ان المؤمنين لذلتهم وقلة عددهم وعدتهم في بدر لم يكن لهم أمل في النصر الا إرادة اللّه تعالى ونصرته وانجاز وعده عز وجل ، كما هو معروف من انقطاعهم إلى اللّه تعالى ، فكان القصر في الكلام بخلاف أحد ، فان الأمر لم يكن كذلك فنزل الخطاب من غير قصر . قوله تعالى :
وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ
. ( عند ) يفيد مطلق الحضور الأعم من الجسماني والروحاني وما هو فوق ذلك كالحضور عند اللّه تعالى ، وقد استعمل في القرآن الكريم في الجسمانيات المحضة في الدنيا كقوله تعالى :
« فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ »
البقرة - 198 ، وقوله تعالى :
« ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ »
النحل - 96 وفي الآخرة كقوله تعالى :
« وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ »
الصافات - 28 وفي المجردات والروحانيات كقوله تعالى :
« إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ »
الأعراف - 206 ، ومثل قوله تعالى :
« وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى »
النجم - 14 . وفي فوق الروحانيات والمجردات كقوله تعالى :
« وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ »
النحل - 96 ، وقال تعالى :
« لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ »
القلم - 34 إلى غير ذلك من الآيات الشريفة بل استعمل مضافا إلى اللّه تعالى في القرآن الكريم بانحاء مختلفة . والحصر في الآية الشريفة يفيد ان جميع أنواع النصر - معنوية كانت أو مادية - تنحصر به تعالى ، لفرض ان الكل مسخر تحت