تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 160

مساهمون:

ص١٦٠
والمعنى : فمن كان منكم في حال الإحرام مريضا يضرّه توفير الشّعر ، أو بالرّأس ما يؤذيه كالقمل ونحوه من الهوام ، فإنّه يجوز الحلق مع الفدية . قوله تعالى :
فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ
. الصدقة : ما يتطوّع به في سبيل اللّه واجبا كان أم غيره . ومادة « نسك » تأتي بمعنى العبادة ، والناسك العابد ، واختصت بأعمال الحج ، كما أنّ النّسيكة تختص بالذبيحة . أي : إنّ المحرم الذي جاز له الحلق حال الإحرام يفدى بواحدة من هذه الخصال الثلاث : إما الصيام ، أو الصدقة ، أو النسك . ولم تبيّن الآية حدود كلّ واحدة من هذه الخصال إلا أنّه ورد في السنة المقدّسة ما يبيّن ذلك ، فالصيام بثلاثة أيام ، والصدقة إطعام ستة مساكين ، والنسك ذبح شاة . قوله تعالى :
فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ
. الأمن : طمأنينة النفس ، وزوال الخوف . والأمن والأمان ، والأمانة تستعمل مصدرا تارة ، واسما أخرى ويفرق بالقرائن . ومادة ( متع ) تأتي بمعنى الارتفاع والانتفاع ، يقال : متع النهار ومتع النبات إذا ارتفع . قال تعالى :
وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ
[ البقرة - 36 ] ، أي : انتفاع . ولهذه المادة استعمالات كثيرة في القرآن الكريم بالنسبة إلى الدنيا والآخرة ، وغالب استعمالاتها تشعر بالقلّة والزوال والتحديد ، وهو كذلك إذ لا نسبة بين المتناهي من كلّ جهة وغير المتناهي كذلك ، وفي الحديث : « لو كانت الدنيا تزن عند اللّه جناح بعوضة ما سقى منها كافرا شربة ماء » . وسمي حج التمتع تمتعا ، لأنّ المحرم يحلّ من إحرامه بعد تمام العمرة ، فينتفع بما حرّم عليه لأجل الإحرام حتى يهلّ للحج ، فهو إحلال بين إحرامين . وهذه الآية صريحة في تشريع حج التمتع لأنّ الجملة الخبرية أصرح في التشريع من الإنشائيات ، وقد أثبتوا ذلك في الأصول ومن شاء فليراجع كتابنا