تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦
اعترض على الإنسان ذنب يرى نفسه بين أمرين مخيرا بينهما إما الفعل وما يتعقبه من الآثار ، أو الترك وما يلزمه من راحة النفس والفوز بالسعادة ، وهذا وجداني لكل فاعل مختار ، فإذا عزم على الفعل وأقدم على الارتكاب تحصل في نفسه حالة خاصة توجب الندامة والخجل والحياء المسمى ب ( تأنيب الضمير ) في علم النفس المعاصر ، وقد اعتبر الشارع هذه الحالة هي التوبة ؛ قال نبينا الأعظم ( صلّى اللّه عليه وآله ) : « التوبة الندامة » وعن الصادق ( عليه السلام ) : « كفى بالندم توبة » . والسر في ذلك : أنّ هذه الحالة تكشف عن تغليب العقل والقوى الخيرة على الجانب الآخر ، وهي تدعو إلى ترك الذنب في المستقبل والارتداع عن المعصية ، ولذا قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : « إنّ الندم على الشر يدعو إلى تركه » ، وتتكرر هذه الحالة النفسية عقيب كل ارتكاب للمعصية ما لم تترسخ المعاصي في النفس فيهون عنده ارتكاب الذنوب واقتراف الآثام فيستولي عليه الفساد بالإصرار ويقسو قلبه ، وهذه هي حالة إحاطة الخطيئة بالإنسان كما ورد في القرآن الكريم ، وقد أشار تعالى إليها بقوله عزّ وجل :
كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ
[ سورة المطففين ، الآية : 14 ] . وتزول هذه الحالة بإتيان الأعمال الصالحة ومزاولة الطاعات وتقوية النفس بالحسنات وترويضها بالأخلاق الفاضلة . ومن ذلك يعلم أن تعريف التوبة بالندم هو أقرب إلى ما يتحصل من الروايات ، واما تعريفها بالرجوع والارتداع عن المعصية في المستقبل فهو تعريف باللازم الحاصل من الندم . وإذا عرفت أن التوبة حقيقة هي الندم فلا بد وان يكون منبعثا عن حرقة القلب والشعور بالحياء منه عزّ وجل والخجل عن ما صدر منه كما في بعض الروايات « إن الرجل يذنب فلا يزال خائفا ماقتا لنفسه فيرحمه اللّه فيدخله الجنّة » . وأما إذا كان الندم حاصلا من اطلاع الغير عليه ، أو خوفه من إعراض المجتمع عنه ، أو سقوط منزلته عند النّاس فلا أثر له ، بل لا بد من أن تسوءه