تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 276

مساهمون:

ص٢٧٦
العلم والعمل فيصير قاطعا عن الربّ ولا يتوجه اليه ولا يعتنى بأوامره وأوامر رسوله فهو كنود وكفور لربه مغرور بنفسه مع انّه محتاج إلى ربه حدوثا وبقاء ومتحقق بربوبيّته في كلّ آن ولذا اتى بصيغة المبالغة إذ القطع عن الربّ المنان في حال الفقر اليه في كلّ ان من غاية الكفر والطغيان كما يدلّ عليه : قوله تعالى
وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ
اى انّ الانسان على قطعه عن ربه وكفرانه لشهيد وحاضر وليس غافلا عن حاله حتى يعذر ومن هنا يظهر ان ارجاع الضمير إلى الانسان أولى وانفع مع توافقه لما بعده وان أمكن ارجاعه إلى ربه أيضا . قوله تعالى
وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ
الحب ليس من الأمور الاختيارية بل من الصفات الحاصلة للنفس بسبب درك الخير اى ما يلائم الطبع من الأمور الدنيوية كالمال والجاه والولد ونحوها أو من الأمور المعنوية كالعلم والكمال والحسن والجمال ونحوها ممّا يذكّر اللّه ويقرّب اليه بحسب اختلاف طبايع النفوس وحيث كان درك الانسان أقوى وأشد من درك الحيوان صار حبّه شديدا وقويّا : قوله تعالى
أَ فَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ
الاستفهام للانكار والتوبيخ للانسان الغافل حيث يحسب أن صفاته الدنية ونيّاته الخبيثة وسرائره السيّئة لا يعرفها أحد ولا يكشف لاحد إلى الأبد والبعثرة في اللغة التبدد والتقلّب وقد عرفت عند تفسير سورة عبس انّ القبر الحقيقي الحاصل لكلّ أحد هيئة حاصلة للانسان من انقطاعه عن جميع من سواه واشتغاله بما صدر منه من عقائده وصور اعماله وهذا صورة القبر وحقيقتها وامّا ما يدفن فيه الجسد فهو مادّة القبر وقبر المادّة والظاهر من سياق الآية وملاحظة ما قبلها وما بعدها واطلاقها وشمولها للجميع انّ المراد من القبور هنا القبور الحقيقية لا الظاهرية فيكون المنظور ممّا فيها صور العقايد والاعمال القائمة بالنفس كما يفصح ذلك قوله
وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ
فانّ الصدر عبارة عن أول مرتبة النفس التي ينقش فيها الصور ولذا عبّر عنها بلفظ ( ما ) دون
مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 276 | السيد مرتضى الموسوي ( مستنبط غروى )