أقول بحول اللّه وقوته اعلم انّ العدو وما بعده من المتفرّعات وان كان من فعل المركوب في الظاهر الّا انّ المركوب لمّا كان فاعلا بالتسخير فيكون المقصود الأتم والمنظور الأهم هو الراكب وحيث انّه لم يختصص بخصوصيّة الفرسيّة والجملية بل ولا بخصوصية الجسمانيّة والمورد لا يكون مخصصا اجماعا فعلم انّ المراد من العاديات النفوس الناطقة الساخرة الراكبة على القوى الحيوانيّة أعم من الفرسيّة والجملية والوهميّة والشهوية والغضبيّة العادية في سلوكها وسيرها إلى اللّه متنفّسا بتنفس الصعداء شوقا إلى الارتقاء واللقاء وحينئذ يكون قوله
فَالْمُورِياتِ قَدْحاً
إشارة إلى ظهور بعض من الشروق والالهامات الجزئيّة الحاصلة في أثناء السير والسلوك عند تصادم بعض الحوادث وقوله
فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً
إشارة إلى المستغفرين بالاسحار وقوله
فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً
إشارة إلى اتيان السالك بحالات توجب اشتباه الناس في حقه وجهلهم بسلوكه وعدم معرفتهم ايّاه وقوله
فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً
إشارة إلى كون السالك في الناس مع عدم كونه منهم كما في الحديث ويؤيد ما ذكرنا من التعميم اختلاف الاخبار في العاديات فقيل هي الإبل في غزوة بدر كما عن أمير المؤمنين عليه السّلام وقيل هي إبل الحاج تعدو من عرفة إلى المزدلفة ومنها إلى المنى وقيل هي الخيل تعدو في غزوة ذات السلاسل كما عرفت :
ومن هنا ظهر انّ السورة مدنيّة كما قال ابن عباس وغيره وليست مكية كما توهمه الأكثر من العامة :
وممّا ذكرنا ظهر اهميّة العاديات عند اللّه بحيث جعلها مقسما بها مع مناسبتها لجواب القسم وهو :
قوله تعالى
إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ
اى قاطع عن ربه بلحاظ انانيّة الواهية وزعمه الفاسد بانّه مستقل في العقل والرأي وفي جميع حركاته فانّ كند من باب نصر بمعنى قطع والكندة قطعة من الجبل فالانسان إذا زعم نفسه مستقلا في الوجود
و