جعل الشئ كما ينبغي من كمال الاعتدال بلا تفريط وافراط اعلم انّ الموجود في عالم الامكان اما من المجردات المحضة كالعقول الكلية وهي عالم الامر وامّا من الماديّات الصرفة علويا كان كالاجرام السماوية أو سفليا كالعنصريات وهي عالم الخلق كما قال تعالى
أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ
س 7 ى 54 واما مركب منهما كالنفوس الناطقة المتعلقة بالأبدان العنصرية فالانسان في الحقيقة مجمع العالمين ولذا قد يتصف بصفات عالم الامر من الايمان باللّه واليوم الآخر ودرك الحقايق والعلم بالأشياء كما هي مع تعلقه بعالم الدنيا والمادّة كالأنبياء وائمّة الهدى والحكماء التابعين لهم وقد يتصف برذائل الدنيا وخصائص المادة من الحجب والكفر والجهل والظلم مع كونه من العالم الاعلى والتجرد كالكفار وائمّة الضلال ومن تبعهم :
فعلم انّ الانسان عال في عين دنوّه ودان في عين علوه وهذا معنى كونه مخلوقا في أحسن تقويم ولذا ترى انّ العزيز الحكيم لم تباه عند خلق الملك والجن والشمس والقمر والسماوات والأرض مع كونها أكبر من خلق الناس بما باها عند خلق الانسان بعد عدّ مراتبه بقوله تعالى
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ
س 23 ى 12 - 14
وحيث انّ عالم المجردات اسبق كونا من عالم الماديّات كما ورد في الحديث انّ اللّه خلق الأرواح قبل الأبدان بألفي عام فجميع الناس كانوا في بدو الخلقة متصفين بصفات عالم الامر من الايمان باللّه واليوم الآخر والعلم بالحقايق كما يدل عليه قوله تعالى
وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا