هذه السورة المباركة وسرّه انّ النفي لا يتحقق الّا بالوجود ولو بنحو العدم والملكة مثل العمى فمفاد لا اقسم انّ المقسم به من شأنه ان يقسم به لكنّ لا اقسم به لزيادة عظمته ففي ذلك التعبير نوع من التأكيد .
ومن هنا يظهر انّ قول بعض المفسرين بزيادة لا هنا ليس بجيّد فانّ من مذهبنا أهل اللّه ان لا زيادة ولا نقصان في كلام اللّه ولو بحرف والبلد من بلد يبلد في المكان كنصر ينصر بمعنى أقام فيه ومصدره بلود واما البلادة بمعنى ضدّ الزكاوة فهو من باب شرف يشرف فالبلد بمعنى المقام اى محل الإقامة سواء كان عامرا كلّيّا أو جزئيّا وقد اجمع المفسرون بانّ المراد به هنا مكّة الشرف زادها اللّه شرفا ولعلّ ذلك لمكان الإشارة بهذا المستلزم بتشخص المشار اليه مع كون السّورة مكيّة وسيأتي النظر فيه .
قوله تعالى
وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ
اى نازل بهذا البلد وهو البلد الحرام على ما سبق ، لكن مقتضى النظر العقلانى والذوق العرفاني بلحاظ تناسب الجواب وهو قوله
لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ
انّ المراد بهذا البلد الأول عالم الطبيعة المسمى عند أصحابنا بعالم الناسوت ومحلّ إقامة النّاس مع مشقّة وعناء ومحنة وبلاء ، والمراد بهذا البلد الثاني البلد الحرام وهو جزء من الأول ، فالنزول يوجب النزول بالكل كما هو واضح ، وبذلك يظهر فائدة التكرار والّا فلا وجه للتكرار وعدم الاكتفاء بالضمير ورعاية السجع مع الاضمار أيضا ممكن كان يقال مثلا وأنت حل به إلى امد مع زيادة فايدة أخرى كما لا يخفى .
ثمّ انّ هذه الآية دليل على انّ اعظام عالم الطبيعة أو البلد الحرام بحيث يحسن الاقسام به انّما هو لأجل حلول النبىّ صلّى اللّه عليه وآله ونزوله به والّا فلا قدر ولا شرف في عالم الطبيعة الكدرة والتربة الجامدة لكونها أرذل العوالم وادنيها ، ولذا سميت بالدنيا ، ومعلوم انّ شرف المكان بالمستكين ومن هنا صار هذه الكلام قدحا للمشركين