تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 140

مساهمون:

ص١٤٠
قوله تعالى
فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ
الفاء للتفريع يعنى إذا علم انّ لكلّ نفس حافظ يحفظ جميع صفاتها وعقائدها واعمالها وآثارها فلينظر الانسان بنظر التفكّر والتدبّر في خلقته الأولى إلى آخر مراتبه حتّى يكون عارفا لحقيقته وقدرة ربّه والانسان عبارة عن النفس الناطقة المدبرة للبدن بتعلّقها به وانّما سمّيت انسانا لكونها مع علويتها وتجردها مانوسة شديدا ببدنها السفلى المادّى بحيث تتوجّع وتتالّم جدّا عند فراقه كتالم العاشق من فراق معشوقه وقد أجاد السعدي في المقام حيث قال :
در رفتن جان از بدن گويند هر نوعي سخن * من خود بچشم خويشتن ديدم كه جانم ميرود
وممّ مخفّف ممّا المركب من حرفى النشو والاستفهام والخلق عبارة عن الايجاد الطبيعي فيقال عالم الخلق في مقابل عالم الامر اى التجزد وقد يستعمل في الايجاد المطلق كما في قوله عز وجل ( انّ اللّه خلق الأرواح قبل الأبدان بألفي عام ) . قوله تعالى
خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ
جواب لسؤال الفكر وفي بيان الامر لهذا النحو من الكلام ارشاد وتعليم التفكر للأنام والمراد من الماء جسم مايع بقرينة دافق فانّ الدفق هو الصبّ أو الانصباب بالشدة والدفع . وفي هذه الشريفة دلالة على ما ذهب اليه المحققون من حكماء الاسلام من انّ النفس جسمانية الحدوث روحانية البقاء وبيان ذلك انك عرفت انّ الانسان عبارة عن النفس الناطقة المتعلقة بالبدن كما انّ البشر عبارة عن البدن المتعلّق به النفس كما يظهر من قوله تعالى
وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ
س 15 ى 28 و 29 . وقد ثبت تجرد النفس بالبراهين العقلية في محلّه وحينئذ فان قلنا بتجرد النفس مطلقا اى حدوثا وبقاء كما ذهب اليه المشائون فلا يعقل أن تكون ناشئة عن المادي فيخالف صريح الآيات الدالة على كونها ناشئة من النطفة كهذه الآية وقوله تعالى
خَلَقَ
مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 140 | السيد مرتضى الموسوي ( مستنبط غروى )