الدواعي النفسانيّة على الدواعي الربانيّة اى قدّمت الشرور الواقعيّة على الخيرات الحقيقيّة على خلاف زعمها وغرورها في الحياة الدنيا كما يشعر به :
قوله تعالى
يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ
في الخطاب بحرف النداء للبعيد الغائب أولا وللقريب الحاضر ثانيا مع هاء التنبيه ولفظ الانسان إشارة إلى قرب الانسان في الأخرى بعد بعده في الدنيا مع تنبيهه وتوجيهه لحقيقته المدركة للكلّيات وانّ شانه اجل من أن يغترّ بالجزئيّات الداثرات فضلا عن اشتغاله بالهوسات الهالكات فانّ الانسان ليس الّا النفس الناطقة المستانسة بعالم المادّيّات .
وما استفهاميّة بمعنى اىّ شئ ، وغره من باب نصر ينصر اى خدعه باظهار الباطل والشر على صورة الحق والخير فهو لا يحصل الّا بأمرين : أحدهما حقّ والاخر باطل بان يختار الباطل في مقابل الحق فيتحقّق الغرور بالضمّ فالباء في الآية بمعنى المقابلة كما في المبادلة ، والكريم من اعطى بسهولة وجاد دائما فيكون مفاد الآية هكذا يا ايّتها النفس الناطقة المستأنسة لعالم الطبيعة اىّ شئ خدعك بان اخترت الباطل في مقابل ربّك الّذى يعطيك بسهولة ويجودك دائما .
ثمّ انّ هذه الآية وان كانت بحسب اطلاقها اللفظي شاملة لجميع المجرمين من المؤمنين وغيرهم من الكفّار والمنافقين الّا انّ الظاهر من سياقها بقرينة قوله تعالى
كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ
انّ المراد من الانسان هنا غير المؤمنين خاصّة وعلى هذا فلا يصحّ ما ذكره جمع من المفسرين من انّ اتيان اسم الكريم هنا لتلقين الإجابة بان يقول العاصي غرّنى كرمك يا كريم لانّ المكذّب بالدين لا يرى فعله معصية حتّى يقول انّما عصيت اعتمادا لكرمك .
وليس لقائل ان يقول إذا كان اللفظ عامّا والمورد خاصّا كما في المقام فلا يكون المورد مخصصا وخصوص السبب لا ينافي عموم اللفظ كما زعمه الرازي ، لانّا نقول مقامنا هذا ليس من قبيل خصوص المورد والسبب حتّى لا يوجب التخصص بل من قبيل خصوص