تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 92

مساهمون:

ص٩٢
بالنسبة إلى الولاية الحقّة ، والتقدم والتاخّر أمران إضافيان فان ذكر مأخذهما فالامر واضح وان لم يذكر كما في المقام فمقتضى التفكيك كون موضوعهما امرين متقابلين . ومن المعلوم انّ صادرات النفس بحسب الداعي قسمان : أحدهما ما صدر بداع ربّانى وثانيهما ما صدر بداع نفساني والأول خير وطاعة وصالح وحسنة ، والثاني شرّ ومعصية وطالح وسيّئة هذا بحسب الواقع والحقيقة ، واما بحسب الظاهر والطبيعة الدنية فالامر بالعكس لانّ أكثر الناس يزعمون انّ الخير والصلاح ما يوافق هوساتهم النفسية وآمالهم الدنيّة من الأمور الدنيويّة ، كما قال عز وجل
أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ
س 47 ى 15 ، وقال أيضا
كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
س 10 ى 12 ، وقال أيضا
زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا
س 2 ى 208 ووجه ذلك انّه كما انّ كل فرد من افراد الانسان له شئ من عالم الامر وهو روحه ونفسه وبهذا الاعتبار يقال له انسان وله شئ من عالم الخلق وهو بدنه وجسده ، وبهذا الاعتبار يقال له بشر فكذا كلّ ما صدر منه من الحركات له شئ من عالم الامر وهو باطنه وصورته وبهذا الاعتبار يقال له عمل وله شئ من عالم الخلق وهو ظاهره ومادّته وبهذا الاعتبار يقال له فعل ، وكما انّ النفس مستورة في دار الطبيعة محجوبة عن الناس لا يعرفها الّا الخواص فكذا بواطن الاعمال مستورة في دار الدنيا محجوبة عن الناس لا يعرفها الّا الخواص وامّا أكثر الناس فلا يعرفون الّا الظاهر عن الافعال ويغفلون عن بواطن الاعمال كما أشير اليه بقوله تعالى
يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ
س 30 ى 6 وإذا زالت حجب الطبيعة وكدورات المادّة بانتقال النفس إلى عالم القبر والبعث وتجسّمت الاعمال بحقائقها الواقعيّة علمت النفس بالعلم التفصيلي الشهودي انّها قدّمت