فلا سبيل بحسب العادة والطّبيعة إلى نيل الأعيان الأخرويّة والاستشراف عليها ، إلّا على نحو الكرامة . مثل الرسول يشاهد ملك الوحي ويشافهه ويكلّمه قبلا . ومثل المحدّث يسمع صوته بهذا السّمع الحسّيّ ولا يراه . قال تعالى :
« إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ . . . » .
( آل عمران / 45 )
ومثل ما ورد في جوامع الشّيعة أنّ الملك كان يأتي ويحدّث فاطمة - عليها السّلام - بعد وفاة أبيها ويسلّيها وكلّ ما يحدّثها يكتبه عليّ - عليه السّلام . وهذا هو مصحف فاطمة . وهو من مواريث الإمامة . ولهذا الكتاب شأن عظيم عند آل الرسول - صلّى اللّه عليه وآله . ففي هذه الروايات دلالة على أنّ عليّا كان محدّثا وأنّ فاطمة كانت محدّثة . وفي عدّة من الروايات أنّ الأئمّة من آل الرّسول كلّهم محدّثون .
وبديهيّ أنّ الآيات والرّوايات المفسّرة للرّسالة والتّحديث كلّها تظهر أنّ رؤية الملك للرّسول وسماع صوته للمحدّث بالبصر الحسّيّ والسّمع الحسّيّ ، لا بالسّمع القلبيّ .
قال بعضهم : وأمّا التحديث ، فهو سماع صوت الملك ، غير أنّه بسمع القلب دون سمع الحسّ وليس من قبيل الخطور الذهنيّ الّذي لا يسمّى سمع صوت إلّا بنحو من المجاز البعيد .
أقول : هذا تأويل بارد وركيك لا وجه لارتكابه ولا احتياج إليه على أساس العلوم الشرعيّة وتعرّضنا لإبطاله في الموارد المناسبة لذلك .
فالمتحصّل من جميع الرّوايات : إنّ الرسول من عاين الملك وشاهده وكلّمه مشافهة . ولا يخفى أنّ كلّا من الرّسالة والنبوّة والتحديث إنّما يكون مقارنا لإفاضة روح القدس من اللّه سبحانه . فبهذا الرّوح القدسيّ يتحمّل الرّسول الرّسالة والنّبيّ النبوّة والمحدّث الحديث . وبه يحفظونها . وبه يبلّغونها . وروح القدس عبارة عن العلم المفاض عن اللّه - سبحانه - المصون والمعصوم بعصمة اللّه . والروح القدسيّ