أقول : وفي معناها روايات أخرى صريحة . فالمتحصّل من هذه الرّوايات وما تقدّم في تفسير الآية المبحوثة : إنّ المراد من تأييد الملك هو التذكير بالربّ - سبحانه - ورفع الغفلات والشعور بوظيفة موقفه من العبوديّة والطّاعة والاتّقاء من اللّه تعالى . والمراد من الوسواس هو نسيان الربّ والابتلاء بالخذلان في قبضة الشّيطان بإغوائه وتسويله على العصيان .
ولا يخفى أنّ تأييده تعالى المؤمن بإرشاد الملك وتذكيره كرامة وعناية من اللّه - سبحانه - للمؤمن تشكّرا لإيمانه ووفائه بشرائط الإيمان . فسبحانه من إله ما أشكره ! وكذلك ابتلاؤه بوسوسة الخنّاس ومكائده ومصائده خذلان من اللّه له وقد وكله إلى نفسه . فيجب عليه أن يعود ويتوب حتى يتوب اللّه عليه . ولو جاهد في سبيله تعالى وراقب ربّه في سرّه وعلانيته ، ليدخلنّه تعالى في ولايته ويخرجه - سبحانه - من ظلمات المعاصي إلى نور الطّاعة . فهو - سبحانه - وليّ المؤمنين ويزيد في هدى المهتدين . وليس هذا من باب التّحديث الّذي أسرّه اللّه ، بل هذا طور آخر من سنّته تعالى الحكيمة الفاضلة يضيء بها روح المؤمن بإضاءة الملك وإرشاده .
في نور الثقلين 5 / 269 ( عن الكافي ) : وبإسناده إلى محمّد بن سنان ، عن أبي خديجة قال : دخلت على أبي الحسن - عليه السّلام - فقال لي :
« إنّ اللّه - تبارك وتعالى - أيّد المؤمن بروح منه تحضره في كلّ وقت يحسن فيه ويتّقي ، ويغيب عنه في كلّ وقت يذنب فيه ويعتدي . فهي معه تهتزّ سرورا عند إحسانه وتسيخ في الثرى عند إساءته . . . . »
وقد تبيّن ممّا ذكرنا أنّ تأييد الملك وإلقاء الرّوح وشرح الصدر والطّمأنينة وإنزال السّكينة والتذكّر والبصيرة ، تعبير عن معرفة الربّ بالربّ ودرك الوظيفة اللّازمة الراجعة إلى هذا الموقف ببداهة العقل . فهو عين العرفان وعين الشّعور . فهو حجّة بذاته على ذاته وعلى معلومه ، فلا يحتاج في إحقاقه وتحقيقه إلى مميّز آخر وحجّة أخرى كي تستند إليها حجّيّته .
مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 749
مساهمون: محمد باقر الملكي الميانجي
ص٧٤٩