خبل عقله . وقد أنكر اللّه تعالى ذلك في قوله :
« وَقالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً » .
[ الفرقان / 8 ] ولكن قد يجوز أن يكون بعض اليهود اجتهد في ذلك ولم يقدر عليه ، فأطلع اللّه نبيّه على ما فعله حتّى استخرج ما فعلوه من التمويه وكان دلالة على صدقه ومعجزة له .
أقول : الآيات الكريمة إنّما سبقت للتّذكير بالاستعاذة . فإنّ الاستعاذة تعليم لأدب العبوديّة وإرشاد إليه ، وتذكير بأنّ اللّه - سبحانه - عصمة المعتصمين وملاذ العابدين واللائذين . ولا دلالة في الآيات الكريمة على وقوعه وابتلائه - صلّى اللّه عليه وآله - ووقوع المؤمنين في شرّ ما خلق والغاسق والنفّاثات والحاسد . والأخبار المذكورة في شأن النزول لا تلائم سياق الآيات كما لا يخفي .
ثم إنّ ذكر الغاسق والنفّاثات والحاسد وتخصيصها بالذكر بعد تعميم قوله :
« مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ »
، قد قيل في وجهه مع مزيد توضيح منّا : إنّ هذا التخصيص لمزيد عناية بشأنها لخفائها وخفاء آثارها مع أهمّيّة شرورها وآثارها . فإنّ السحرة يتظاهرون بأعمالهم أنّهم يقدرون على عمليّات لا يقدر عليها غيرهم . فإنّها ضرر على ضعفاء المؤمنين وإضرار للنّاس من حيث لا يشعرون وقد يوجب فسادا في الدين أيضا . بخلاف غيرها من الشّرور ، مثل شرّ الطّاغين والمعاندين وشرّ الحيوانات مثل السّبع والحيّة وشرّ الحرق والغرق . فإنّ هذه الشرور بمرأى ومشهد من عامّة الخلق .
قوله تعالى :
« مِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ
( 5 ) » .
بيان : الحسد تمنّي زوال نعمة الغير وعدم الرضا ببقائها له . فلا ريب في قبحه . فإنّه معارض لقضائه تعالى وصادّ لقسمته تعالى في عباده .
ففي الكافي 2 / 307 ، مسندا عن داود الرقّيّ ، عن أبي عبد اللّه - عليه السّلام - قال : قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله - : قال اللّه - عزّ وجلّ - لموسى بن عمران - عليه السّلام - :
« يا بن عمران ، لا تحسدنّ النّاس على ما آتيتهم من فضلي . ولا تمدّنّ