قوله تعالى :
« فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ
( 5 ) » .
قال في القاموس 3 / 181 : العصف بقل الزرع . وقد أعصف الزرع . و
« كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ » ؛
أي : كزرع اكل حبّه وبقي تبنه . أو : كورق أخذ ما كان فيه وبقي هو لا حبّ فيه . أو : كورق أكلته البهائم .
أقول : شبّه تعالى أجسادهم الملقاة على الأرض بلا حراك وبلا روح وقد خبثت ونتنت ، من حيث بطلان طراوتهم ، بالزّروع الّتي أكلتها البهائم أو مزّقت بعوامل أخرى فتناثرت حبّاتها وتلاشت أوراقها وكسرت ساقتها وذهب بهاؤها وصفاؤها .
قال في المجمع 10 / 543 : أي : كزرع وتبن أكلته الدوابّ ثمّ راثته فديست وتفرّقت أجزاؤه . شبّه اللّه تقطّع أوصالهم بتفرّق أجزاء الروث .
وفي الكشّاف 4 / 800 : . . . أو بتبن أكلته الدوابّ وراثته ، ولكنّه جاء على ما عليه آداب القرآن ؛ كقوله :
« كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ » .
[ المائدة / 75 ] أو أريد أكل حبّته وبقي صفرا منه .
أقول : الأظهر ما ذكرناه . والتشبيه بالرّوث المتفرّق لا شاهد له في الكلام .
وفي تفسير القمّيّ 2 / 443 : قال : العصف التبن . والمأكول هو الّذي يبقى من فضله .
بيان : وفي قصّة الفيل وحمايته تعالى لبيته الحرام ، آية بيّنة لأولي الألباب . وفي هذه القصّة كرامة باهرة للكعبة المكرّمة - زادها اللّه شرفا وتعظيما . وقد قطع - سبحانه - بهذه الحجّة القاطعة سنّة الملحدين وأبطل أوهام المتوهّمين ؛ حيث إنّها عمل عمديّ فيه عناية بخصوصه لهلاك الطّاغين ، آبية عن التّأويل الّذي ارتكبوه في غيرها من سننه تعالى في الخلق من الزلازل والريح والصّاعقة والخسف وأمثالها . إذ ليس في سنّة العادة والطّبيعة بعث جنود الطّير بتجهيزات خاصّة ؛ حجر في منقاره وحجرين في أرجلها ، لعدّة خاصّة لا تتعدّاها ولم تقتل أحدا غيرها ولم تبق منهم أحدا .
والعادة الجارية في سنّته تعالى وإنزال سطواته على أعدائه بالزّلازل وأمثالها ، ليست على هذا النّمط . فإنّه قد ينجو من بعضها بعض الناس وبعضهم تصيبه صدمات