تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 659

مساهمون:

ص٦٥٩
أنّ الإنسان كلّه في خسارة من عمره وضلال من سعيه . فهذا الحكم الصريح فيه دلالة قطعيّة على أنّ الإنسان إنّما خلق بعناية حكيمة فاضلة لا لاغيا ولا عابثا . تعالى - سبحانه - عن ذلك . فمتى لم يقصد الإنسان الغاية في سعيه وفي لحظات عمره ، ينقص من عمره وترد الخسارة على رأس ماله ولا ربح ولا نال شيئا إلى أن يفنى جميع بضاعته ويبقى فقيرا وصفرا . فعلى هذا المستثنى من هذا الحكم المؤمنون والصّالحون . فإنّهم حازوا وفازوا ما لم يحزه غيرهم . قوله تعالى :
« إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ » .
قد ذكر - سبحانه - الصّالحات بعد الإيمان به تعالى - مع أنّ الصّالحات من الإيمان - لإفادة أنّ الحكم القطعيّ بالفوز والفلاح متوقّف على إتيان الصالحات . توضيح ذلك : قال بعض المحقّقين : إنّ الإيمان هو الإقرار والإذعان بوجوده تعالى وتوحيده ونعوته وكمالاته - سبحانه . والأعمال الصّالحة واجتناب المحرّمات شرط لتحقّق الإيمان وتأثيره . وقال بعضهم : إنّ الإيمان عمل كلّه ومبثوث على الجوارح كلّها . فالواجب على القلب الإقرار والإذعان . وعلى العين النظر إلى ما فيه الاعتبار والاتّعاظ والغضّ عمّا حرّم اللّه عليها . وهكذا كلّ جارحة من الجوارح موكّلة على ما فرض اللّه عليها ومسؤولة عمّا حرّمه اللّه . قال تعالى :
« إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا » .
( الإسراء / 36 ) والقول الثاني هو الأوفق بالرّوايات الشّريفة الواردة في المقام . قوله تعالى :
« وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ
( 3 ) » . ليس هذا استثناء آخر . فإنّ التّواصي بالحقّ والصّبر من جملة الصّالحات . ضرورة أنّ الأمر بالمعروف عمل صالح مثل إتيان نفس المعروف . وإفرادهما بالذّكر بعد ذكرهما في جملة الصّالحات كأنّهما قرينان لها ، اهتماما بشأنهما . فإنّ التّواصي بالحقّ والصّدق والصّبر من كلّ أحد إلى كلّ أحد له شأن عظيم في المجتمع الإسلاميّ وفيه إقامة الفرائض والعزائم على حدودها وإزالة المنكرات جميعها وانتظام شمل الدين وغيرها من المصالح العامّة في المجتمع الصّالح . وخاصّة أنّ الصّبر على الطّاعات