والتّكاثر بمعنى تعداد ما به مفاخر أبناء الدّنيا في مقابل قوم آخرين أو فرد في مقابل فرد ؛ سواء كان التّعداد العمليّ على ما هو المرسوم في الأدوار الجاهليّة ، أو اشتغال بجمع ما به يفتخرون من المال والجاه وغيرهما لكي لا يقال إنّ فلانا أقلّ مالا وجاها ، على ما هو المرسوم في زماننا . فإنّ كثيرا من النّاس يتعب ليله ونهاره بامنيّة التقدّم على أقرانه وأمثاله وهذه بغيته من الدنيا وما فيها . فلا يزال أبناء الدّنيا يتسابقون في مضمار مزايا الحياة الدّنيا وتفاخرهم بذلك بلسان حالهم بحسب الغالب وقد تجري على ألسنتهم أيضا . قال تعالى :
« اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ » .
( الحديد / 20 )
فربما تجتمع على واحد من النّاس الخصال المذكورة في الآية أو عدّة منها أو تعرض على الإنسان واحدة منها . فالتكاثر من أهل الإيمان ، من الأمراض الخفيّة يجب على صاحب البصيرة التوجّه إليه والتحرّز منه والمجاهدة والمبارزة في علاجها وأن لا يكون سعيه وتعبه في الدّنيا للدّنيا أو لغيرها ممّا يصدّه عن سبيل اللّه ؛ بل يجب أن يكون كدّه وسعيه ، مثل طلب العلم وتحصيل الشّرف والسيادة والمجد والعظمة والأموال والأولاد كلّها للّه ويستعملها في سبيله - سبحانه - لا لأجل التفاخر والتكاثر .
وقوله تعالى :
« وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ »
الظّاهر أنّ هذا التهديد على من ألهاه وأشتغلته الخصال المذكورة في الآية عن اللّه وعن الآخرة وينطبق على الكفّار والمنافقين بالحقيقة . وفي شموله لأهل الإيمان المبتلين بذلك نوع خفاء . واللّه العالم .
قوله تعالى :
« أَلْهاكُمُ » .
أي : شغلكم وصرفكم . وفي القاموس 4 / 390 : لهي به - كرضي - : أحبّه . وعنه :
سلا وغفل وترك ذكره . . . وألهى : شغل وترك الشيء عجزا أو اشتغل بسماع الغناء .