تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 616

مساهمون:

ص٦١٦

بيان :

لا ريب أنّ الأنبياء الكرام والرّسل العظام الّذين ارتضى لهم اللّه الإسلام دينا ، قد وقعوا في صراط دعوتهم في مقابل صنفين من النّاس : الأوّل : الّذين لا يعرفون الاختلاف في الدين وكانوا على الفطرة الّتي فطرهم اللّه عليها . فبعث اللّه فيهم رسله وواتر إليهم أنبياءه ، ليستأدوهم ميثاق فطرته وليذكّروهم منسيّ نعمته ويثيروا لهم دفائن عقولهم . فصاروا واجدين لشعاع الهداية الّتي فطرهم اللّه عليه وضياء العقل الّذي ألهمه إيّاهم من معرفة الفجور والتّقوى وعرّفهم فلاح من زكّى نفسه وطهّرها . الثاني : الّذين كفروا بعد إسلامهم واختلفوا على أنبيائهم وحرّفوا كلمة دعوتهم بعد تبيّن الحقّ عندهم ووضوح الحجّة عليهم . وهذا واضح عند من عرف تاريخ الأمم الماضين وما وقع فيهم ؛ سيّما اختلاف اليهود والنّصارى على موسى الكليم وعيسى الصدّيق . قال تعالى :
« وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ »
( التوبة / 30 ) وما جرى فيهم من عبادة العجل وإنكارهم على عيسى الصدّيق وإهانته وإيذائه بكلّ ما يقدرون عليه ، واختلاف النّصارى في المسيح وإلحادهم في التّوحيد الّذي كان من أمّهات دعوة عيسى . قال تعالى :
« وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ » .
( التوبة / 30 ) والأمر أوضح بالنسبة إلى المشركين الّذين انتحلوا أنفسهم إلى الحنيفيّة وإلى دين إبراهيم الّذي هو من أعاظم أئمّة التوحيد وتشبّثوا بذلك في مجادلاتهم ومفاخرهم مع إصرارهم في الشّرك وعبادة الأصنام وانغماسهم فيه . وكان الأمر على ذلك حتّى أتتهم الحجّة الواضحة . قوله تعالى :
« لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ
( 1 ) » . أقول : الّذين كفروا من أهل الكتاب والّذين أشركوا ليسوا بتاركين ما هم عليه من الآراء الفاسدة وعبادة الآلهة والضّمير راجع إلى الكفّار والمشركين . وذكر بعض المفسّرين أنّ المراد من لفظ المستقبل هو الماضي . وليس ببعيد . فإنّ الظّاهر أنّ قوله