تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 564

مساهمون:

ص٥٦٤
تعالى :
« الْعُسْرِ »
للجنس لا للعموم ؛ أي : شيء من العسر أو نوع منه . و « يسرا » مطلق على سبيل الإطلاق البدليّ لا الشّموليّ ؛ أي : شيئا من اليسر . وهكذا الكلام بعينه في الجملة الثانية . فيندفع ما يتوهّم من التّكرار والتّأكيد في الجملتين . ضرورة أنّ توهّم التّكرار والتّأكيد متوقّف على إحراز العموم في « العسر » والإطلاق في « يسرا » في الجملتين . توضيح ذلك : إنّ الفاء في قوله تعالى :
« فَإِنَّ »
في الجملة الأولى تفريع ممّا تقدّم من الآيات وبيان لسنّته تعالى القيّمة الحكيمة في أنبيائه ورسله وأوليائه أن يرزقهم يسرا بعد عسر وفرجا بعد كرب وشدّة ، وهكذا مرّة بعد مرّة في طيّ قيامهم بأمر النبوّة والرّسالة ومجاهدتهم وبلاغهم ووفائهم بعهد اللّه . وقوله تعالى :
« إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً »
مسوق في بيان أنّ سنّته تعالى في شأن أنبيائه ورسله مطابقة لما مضى من سنّته تعالى القيّمة فلن تجد لسنّة اللّه تبديلا . وفيه إشعار أيضا بالوعد الجميل لرسوله - صلّى اللّه عليه وآله - بتوفير النعمة وتكميل الكرامة وتسبيب أسباب العزّة والغلبة إلى أن يتمّ نوره ويعلي كلمته ويجعل كلمة الّذين كفروا السّفلى . فإن قلت : فهل يمكن الالتزام بجريان هذه السنّة الكريمة في شأن غير الأنبياء والرّسل من المؤمنين ؟ قلت : لا . فإنّ شمول هذه الآية الكريمة لغير الأنبياء والمرسلين متوقّف على إجراء عموم الآية وإطلاقها وشرائط شمولها لغير الأنبياء والرسل . ضرورة أنّ العسر في غير الأنبياء يمكن أن يكون لمجازاتهم على معاصيهم ؛ كما أنّ اليسر الموجود في حقّ غير الأنبياء يمكن أن يكون للاستدراج والإملاء . لا أقول إنّ اليسر بعد العسر غير ممكن في غير الأنبياء ؛ إنّما أقول إنّ رفع العسر عنهم متوقّف على شرائط من التّوبة وشرائط قبولها . في نهج البلاغة الخطبة 178 . قال أمير المؤمنين - عليه السّلام - : « ولو أنّ النّاس حين تنزل بهم النقم وتزول عنهم النعم ، فزعوا إلى ربّهم بصدق من نيّاتهم وو له من قلوبهم ، لردّ عليهم كلّ شارد وأصلح لهم كلّ فاسد . »