قوله تعالى :
« فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ ( 7 ) وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ
( 8 ) » .
بيان : قد ذكرنا وأوضحنا أنّ الآيات الكريمة في مقام التّسلية لرسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله - وفي سياق التّشريف والتّكريم . تذكر الآية الكريمة عطاياه تعالى عليه - صلّى اللّه عليه وآله . وأشرنا أيضا أنّ تلك التسلية وهذا التّشريف إنّما كان بعد تحقّق الرّسالة والنبوّة . ويقوّمه تعالى ويسدّده بذلك وبما بعده باليسر بعد العسر وباليسر عقيب العسر وبالفرج بعد الشدّة . فلا محالة يكون قوله تعالى :
« فَإِذا فَرَغْتَ »
مرتبطا بهذه الأمور ومتفرّعا من هذه الحقائق .
وقد حذف متعلّق قوله :
« فَإِذا فَرَغْتَ »
إشعارا للعموم . وحيث إنّ النّصب محذوف المتعلّق مثل الفراغ فاللّفظ لا يمتنع من تقدير أيّ متعلّق للفراغ والنّصب المتناسب للمورد ، فلا بأس في تقدير ما هو من وظائف النبوّة والرّسالة وما هو من الوظائف الفرديّة - مثل العبادة والمجاهدة - في متعلّق الفراغ والنّصب ، وخاصّة في متعلّق النّصب .
ولمّا كانت الأحكام تدريجيّة من حيث البلاغ وكلّ ما كان أثقل على الناس وعند نفوسهم ، فهو المتأخّر بلاغا - كما هو صريح الرّوايات الواردة في ذلك الباب - وكذلك السنّة العمليّة من اللّه - سبحانه - ورسوله ، فلا امتناع في اللّفظ أن يقال : إذا فرغت من جهاد عدوّك مثلا ومن بلاغ ما بقي من الأحكام مثلا . ولا فرق في ذلك بين قراءة « فانصب » بفتح الصّاد وكسرها . أي : أتعب نفسك أو أقم نفسك . ولا حاجة في ذلك إلى قراءة « وانصب » بكسر الصّاد . ولا وجه للنزاع في إثبات إحدى القراءتين ؛ لعدم تواتر شيء منهما .
فإن قلت : إنّ الفراغ والنصب إذ كانا محذوفي المتعلّق ، هل يوجب الإجمال في الآية أم لا ؟ قلت : حذف المتعلّق يفيد العموم . فالآية الكريمة ظاهرة في العموم المتناسب لهذا المورد . والأقوال المذكورة عن المفسّرين في تعيين المتعلّق ، كلّها خلاف ظاهر الآية لا ينبغي أن يصغى إليها . وأمّا البيانات المختلفة عن أئمّة أهل البيت - عليهم السّلام - فالظّاهر أنّها من باب بيان المصداق لا بيان تمام المراد ، فهي الموافقة لظاهر الآية الكريمة . حتّى أنّ ما ورد عنهم : « فانصب عليّا وصيّا » يجوز أن