تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 480

مساهمون:

ص٤٨٠

بيان :

قوله تعالى :
« لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ
( 1 ) » . الظّاهر من المقام : أنّه - سبحانه - أقسم بالبلد الحرام كما في قوله تعالى :
« وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ » .
( التين / 3 ) ثمّ أقسم ثانيا بقوله :
« وَوالِدٍ وَما وَلَدَ » .
وهذا القسم الثّاني قرينة وشاهد على أنّ الكلام من أوّله سيق مساق الإثبات ولا نفي فيه . فعليه يكون « لا » في قوله تعالى :
« لا أُقْسِمُ »
للتأكيد ؛ أي : لتأكيد القسم ونفي ما ينافي متعلّق القسم . ثمّ استأنف وحلف على إثبات متعلّقه . قال في المجمع 10 / 492 : أجمع المفسّرون على أنّ هذا قسم بالبلد الحرام وهو مكّة . فإن قلت : إنّ ما ذكرت من القسم في قوله تعالى :
« وَوالِدٍ وَما وَلَدَ »
وجعلته قرينة على أنّ الآية السابقة أيضا للإثبات ، فأيّ مانع أن يقال إنّه عطف على البلد ويكون متعلّقا للنفي ؟ قلت : لو كان معطوفا على البلد ، لكان حقّ العبارة إعادة الجارّ ولا النافية . فالمتعيّن فيه أن يكون الواو للقسم لا للعطف . وسيأتي توضيح ذلك في رواية عن اختصاص المفيد . ويدلّ على ما ذكرنا من أنّ الكلام مسوق للإثبات ، ما رواه في البرهان 4 / 462 ، عن الكافي عن عليّ بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن إسماعيل بن مرّار ، عن بعض أصحابه قال : سألته عن قول اللّه - عزّ وجلّ - :
« فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ » .
( الواقعة / 75 ) قال : عظم إثم من يحلف بها . قال : وكان أهل الجاهليّة يعظّمون الحرم ولا يقسمون به ويستحلّون حرمة اللّه فيه ولا يعرضون لمن كان فيه ولا يخرجون منه دابّة ! فقال اللّه - تبارك وتعالى - :
« لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ . وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ . وَوالِدٍ وَما وَلَدَ » .
قال : يعظّمون البلد أن يحلفوا به ويستحلّون فيه حرمة رسول اللّه ! أقول : وسيأتي تأييد ذلك في طيّ الأبحاث الجارية - إن شاء اللّه . قوله تعالى :
« وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ
( 2 ) » .