الظّالمين أخذ عزيز مقتدر طبق ما دبّر وقدّر تقدير العزيز الحكيم . فالعناية الملحوظة في إطلاق الإرصاد في المقام أنّه - سبحانه - ليس بغافل عمّا يعمل الظّالمون ، بل يراقبهم ويواظب على ذلك كي يجازيهم ويؤاخذهم بما عملوا وظلموا . وإلى ذلك يرجع ما رواه في المجمع 10 / 487 ، عن عليّ - عليه السّلام - أنّه قال :
« معناه : إنّ ربّك قادر على أن يجزي أهل المعاصي جزاءهم . »
كما هو كذلك في حكمه للصّالحين والمحسنين . فإنّه - سبحانه - يواظب ويراقبهم بنظرته الرّحيميّة كي ينجيهم ويثيبهم ويتفضّل عليهم بكراماته ومثوباته .
ففي البحار 98 / 83 ، قال مولانا سيّد العابدين - عليه السّلام - في دعاء أبي حمزة الثمالي :
« وأعلم أنّك للرّاجين بموضع إجابة وللملهوفين بمرصد إغاثة . »
فتلخّص في المقام أنّ قوله تعالى :
« إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ »
جواب للأقسام المذكورة في صدر السّورة . والمراد من المرصاد واتّخاذ الرّصد ، المراقبة والمواظبة عليهم وعلى ما يعملون ويفسدون في الأرض كي يأخذهم بعقوباته وينزل عليهم سطواته ونقماته .
فالسّورة المباركة من أوّلها إلى قوله :
« إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ »
مسوقة لبيان سنّته تعالى الحميدة الفاضلة في نكاله بالمستكبرين والمتمرّدين ، مع العناية العجيبة منه تعالى على ذلك ، حيث ، أقسم - سبحانه - بما أقسم ، ثمّ قال :
« هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ »
واستشهد في إثبات تلك السنّة المباركة بما فعل بعاد وثمود . ففي هذا التّهديد الشديد عبرة وموعظة لقوم يتّقون ويعقلون .
[ سورة الفجر ( 89 ) : الآيات 15 إلى 16 ]
فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ( 15 ) وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ ( 16 )