تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 466

مساهمون:

ص٤٦٦
أقول : وقد زعم الجاهل أنّ الفقر دليل الهوان . ولم يشعر أنّ سنّته تعالى في خلقه لا يجوز الحكم عليها وعلى عللها ومصالحها من طريق الحسّ الظّاهر ، بناء على ما هو في نظره القاصر ورأيه الفاتر . ووجه ذلك أنّهم منغمرون في الدنيا وآمالها وشهواتها الّتي هي غاية سعيهم ومنتهى أمنيّتهم ويرون عزّ العزيز بوجدان متاع الدّنيا وذلّ الذليل بفقدانها . قوله تعالى :
« كَلَّا بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ ( 17 ) وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ
( 18 ) » . ردع وإبطال وإنكار لقولهم . وقوله تعالى :
« بَلْ »
إضراب عن بيان مقالاتهم وإقامة الحجّة على بطلانها وفسادها ، بالتوبيخ والتشنيع على سوء سننهم وصنيعهم . وهذا البيان حجّة كافية في إبطال قولهم . فإنّهم لا يميلون إلى اليتامى بالعطف عليهم والحنان والإكرام لهم - خاصّة ببذل مال أكرمهم تعالى ونعّمهم به ابتلاء واختبارا - ولا يعطون ما فرض اللّه لهم من النّصيب في أموالهم إن كان اليتامى فقراء والأغنياء مسلمين .
« وَلا تَحَاضُّونَ »
؛ أي : لا ترغّبون . أي : لا يرغّب بعضهم بعضا على طعام المسكين . قوله تعالى :
« وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلًا لَمًّا
( 19 ) » . في القاموس 4 / 178 : لمّه : جمعه . فعليه يكون المعنى : تأكلون التّراث أكلا مجموعا . والظّاهر من أكلهم جميعه أي : لا يعطون منه أحدا قليلا ولا كثيرا ، لغاية بخلهم وشدّة حرصهم عليه . كما أنّ الظّاهر أنّ المراد من الأكل هو قبضه بجميعه وصرفه في مصارف سخطه . فالتوبيخ والتعيير على رذيلة الشّحّ والبخل . فإنّه كان لا يكرم اليتيم ويدعّه دعّا ولا يحضّ على اطعامه . ولعلّ الآية في سياق قوله تعالى :
« فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ . وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ » .
( الماعون / 2 و 3 )