قوله تعالى :
« الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ ( 11 ) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ
( 12 ) » . وقد أنكروا الصّانع - جلّ مجده . وألحدوا في توحيده - سبحانه . واستكبروا على أنبيائه ورسله وأوليائه . واستضعفوا عباد اللّه بالقهر والغلبة والتصرّف في أموالهم وشؤون حياتهم .
والظّاهر أنّ الضّمير في قوله تعالى :
« طَغَوْا »
و
« فَأَكْثَرُوا »
راجع إلى جميع ما تقدّم ؛ أي : إلى عاد وثمود وفرعون . وكان طغيانهم في البلاد وفسادهم في الأرض وعتوّهم وكفرهم على اللّه وأنبيائه وكتبه ورسله . وهذا بمنزلة التعليل لما حكم اللّه بنزول البطش وصبّ سوط قهره وغضبه عليهم .
قوله تعالى :
« فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ
( 13 ) » .
قال في القاموس 1 / 94 : صبّه : أراقه . فصبّ وانصبّ واصطبّ وتصبّب . وفي الوادي : انحدر .
فعبّر تعالى عن إرسال قهره وانتقامه وإنزال بأسه وبطشه - سبحانه - على المفسدين والطّاغين ، بصبّ السّوط ، سوط العذاب الّذي يضرب ويقرع به المعاندين والمكابرين .
قوله تعالى :
« إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ
( 14 ) » .
بيان : ذكر تعالى عدّة من المتهاونين بجلاله وكبريائه والمتمرّدين عن أمره ونهيه . وأخبر بما حكم فيهم وقضى في حقّهم من سنّته المقدّسة الحكمية من تدمير الظّالمين ونكال المعاندين . وفي هذا بلاغ وذكرى لقوم يعقلون . فإنّ سنّته تعالى على الصراط المستقيم في حقّ الأوّلين والآخرين ولا تتخلّف ولا تتبدّل فلا يردّ بأسه عن القوم المجرمين . والتذكير بهذه السنّة الفاضلة ، بمنزلة النتيجة والتّفريع من قوله تعالى :
« إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ » .
والمرصاد : موضع الرصد من رصد يرصد - مثل الميقات والميعاد - بمعنى المواظبة والمراقبة . قال في مرآة الأنوار / 158 : يقال : رصدت فلانا ؛ إذا ترقّبته . وأرصدت الشيء ؛ إذا أعددته . والمرصاد : الطريق الّذي يرصد فيه العدوّ .