« يا أبا ذرّ ، حاسب نفسك قبل أن تحاسب . فهو أهون لحسابك غدا . وزن نفسك قبل أن توزن . وتجهّز للعرض الأكبر يوم تعرض لا تخفى على اللّه خافية . »
أقول : عرض الأعمال على اللّه - سبحانه - ليس لأجل الاستخبار عنها والاستطلاع عليها ؛ بل إنّما يعدّها ويحصيها ويحاسبها ليجزي عليها وللاحتجاج والتوبيخ والتقريع على مساويها والتشكّر على حسناتها .
ولعلّ وجه التسمية بالعرض الأكبر : إنّ الإنسان إذا دخل بالموت في عالم الآخرة وارتفع الحجاب بينه وبين هذا العالم وحقائقها وباطنها وساكنيها ، فليس هو في غفلة وسهو عن مشاهدة ما هنالك من الحقائق . وليس بحيث يهمل عنه ويترك إلى موقف الحساب ؛ بل له في كلّ موقف من مواقف الآخرة ومنازلها ، من حين الاحتضار والمعاينة إلى آخرها ، شأن خطير بالنّسبة إلى عقائده وأعماله من الإكرام والإهانة والعزّة والزلّة والعذاب والرّاحة والتفتيش والمساهلة ، إلى أن ينتهي إلى الموقف النهائيّ ؛ وهو العرض على ربّ العالمين والوقوف للمحاسبة والمساءلة والمحاكمة بين يدي أحكم الحاكمين في عقائده وأعماله ومظالمه لعباده . فمنهم من يحاسب حسابا يسيرا للصّفح عنه ويتسامح فيه . ومنهم من يؤخذ بالعدل والمناقشة في الحساب . قال تعالى :
« فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ . فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً . وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً . وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ . فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً . وَيَصْلى سَعِيراً » .
( الانشقاق / 7 - 14 )
أقول : مسألة الحساب وقراءة كتاب الأعمال حقيقة قرآنيّة لا يجوز تأويلها وصرفها عن ظاهرها بتأويل تلك الآيات المحكمات . وقد بسطنا الكلام في ذلك استقصاء في البحث عن المعاد الجسمانيّ . وسنتعرّض لذلك - إن شاء اللّه - في طيّ أبحاث التفسير ونتعرّض فيها لإبطال كلمة أهل التأويل وقولهم إنّ الآخرة وحقائقها مجرّدة عن المادّة دون الكمّ .