الناس ، لا أنّهم لا يقدرون على مخاطبته تعالى تكوينا أو تشريعا سواء أجيبوا أم لم يجابوا .
قوله تعالى :
« إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً
( 38 ) » .
استثناء من النفي في قوله تعالى :
« لا يَتَكَلَّمُونَ »
.
أي : لا يتكلّم أحد من الحاضرين غير المأذونين وغير القائلين الصّواب .
أقول : الصّواب في القول : إصابة الحقّ ، والقول الصدق الواقع . فهؤلاء المتكلّمون من الملائكة والأنبياء والصّدّيقين ، قد عصمهم اللّه تعالى ، وطهّرهم من ارتكاب فضول القول ، وعن الابتلاء بخطأ العمل ، فلا محالة يكون ما يقولون صوابا . وكذلك غير المعصومين الكرام الأحرار الّذين لهم قدم صدق عند ربّهم في مقام العبوديّة ، العارفين بشؤون جلاله تعالى وكبريائه .
فقوله تعالى :
« إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ »
نعت لهم ومعرّف إيّاهم . وبعبارة أخرى : ثناء عليهم وإكرام إيّاهم . أي : لا يتكلّمون إلّا المأذونين القائلين الصّواب .
فلا يصحّ أن يقال : إنّ الإذن شرط وقيد للتكلّم ، وقول الصواب شرط الإذن ، أو كلاهما شرط للكلام . فسياق الآية الكريمة سياق قوله تعالى :
« عِبادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ »
. ( الأنبياء / 26 و 27 )
فسقط ما قيل : لمّا أذن له الرحمن في ذلك القول ، وعلم أنّ ذلك القول صواب فما الفائدة في قوله تعالى :
« قالَ صَواباً »
؟
أقول : قد توهّم القائل أنّ الكلام بحسب الواقع مسوق بلحاظ الشّرط والقيد ؛ وغفل أنّ الإذن والقول الصّواب في الآية الكريمة من الشؤون الجليلة الّتي أكرمهم اللّه بهما ، لا من الشّروط الّتي قيّدهم اللّه - سبحانه - بهما .
فإن قلت : فأيّ مانع أن يقال : إنّ قوله تعالى :
« لا يَتَكَلَّمُونَ »
أي بحسب التكوين ، فلا يقدرون لعدم إذنه تعالى في ذلك ، لا بحسب التشريف الّذي ذكرت .
قلت : نعم ؛ هذا كذلك في الأفعال المنسوبة إليه تعالى . وأمّا في الافعال البشريّة فالإذن يستعمل فيها في موردين : أحدهما تخلية سبيل العبد في مرتبة إفاضة القدرة عليه . وثانيهما : الترخيص والإباحة في الفعل . والظّاهر أنّ الإذن في الآية الكريمة هو المعنى الثاني ؛ أي : الترخيص وارتضاؤه في الشفاعة وأمثالها من الأمور