رسالتنا المستقلّة الآتية حول الروح في القرآن بعد هذه السورة .
قوله تعالى :
« لا يَتَكَلَّمُونَ »
.
الظاهر أنّهم لا يتكلّمون إجلالا لكبريائه ، وتواضعا لجلاله ، لا لأجل أنّهم لا يملكون التكلّم ولا يقدرون عليه تكوينا . وانتظارهم لإذنه تعالى بأن يتكلّموا في شيء ، يرجع إلى شؤون هذا الموقف من شفاعة أو إبراز حاجة ، وإنّما هو لمراعاة أدب العبوديّة ؛ بخلاف قوله - تعالى شأنه - :
« لا يَمْلِكُونَ »
. فإنّ الآية الكريمة صريحة في أنّ الخطاب منه تعالى غير مملوك وغير مقدور لهم .
وفي تفسير المقام وجهان آخران :
أحدهما : قال الرازيّ في تفسيره 31 / 23 : واعلم أنّه تعالى لمّا ذكر أنّ أحدا من الخلق لا يمكنه أن يخاطب اللّه في شيء ، أو يطالبه بشيء ، قرّر هذا المعنى وأكّده فقال تعالى :
« يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً »
.
وثانيهما : قال بعض المفسّرين : إنّ قوله تعالى :
« لا يَتَكَلَّمُونَ »
بيان لقوله تعالى :
« لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً »
.
وهو عجيب ؛ لوضوح أنّ المنفيّ في قوله تعالى :
« لا يَمْلِكُونَ »
إنّما هو مالكيّة ما سواه تعالى على خطابه - وبعبارة أخرى : نفي مالكيّة غيره تعالى على شأن من شؤونه سبحانه - وفي قوله :
« لا يَتَكَلَّمُونَ »
أنّ الحاضرين في يوم الفصل والقضاء لا يتكلّمون بشيء إجلالا وتعظيما للّه - سبحانه - منتظرين لإذنه وأمره . فالمنفيّ في الآية السّابقة غير المنفيّ في الآية اللّاحقة ، ولا ارتباط بينهما بوجه . فلا محصّل لكون قوله تعالى :
« لا يَتَكَلَّمُونَ »
بيانا لقوله تعالى :
« لا يَمْلِكُونَ »
.
ومنه يعلم وهن ما ذكره الرازيّ أيضا من أنّ قوله تعالى :
« لا يَتَكَلَّمُونَ »
تأكيد لقوله تعالى :
« لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً »
؛ لما عرفت أنّ مفاد الآية اللّاحقّة غير مفاد الآية السّابقة . فلا محصّل لكونها تأكيدا للآية السّابقة .
على أنّ في عبارة الرازيّ وهنا آخر . فإنّ الظّاهر من قوله تعالى :
« لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً »
أنّ أحدا من الخلق لا يتمكّنون أن يوجبوا عليه تعالى مخاطبة أحد من