تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 316

مساهمون:

ص٣١٦
الخرور على الأرض بالأعضاء السّبعة . والروايات الواردة فيها المنقولة عن طريق العامّة ، ضعيفة السّند . وبعضها منقول عن قول بعض الصّحابة ، لا حجيّة لها . قوله تعالى :
« بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ ( 22 ) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُوعُونَ
( 23 ) » . قال ابن هشام في المغني 1 / 151 : « و « بل » حرف إضراب . فإن تلاها جملة ، كان معنى الإضراب إمّا الإبطال ؛ نحو :
« وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ » .
[ الأنبياء / 26 ] . . . وإمّا الانتقال من غرض إلى غرض آخر . . . ومثاله :
« قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى . وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى . بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا » .
[ الأعلى / 14 - 16 ] أقول : لا يخفى أنّ إيثار الدّنيا على الآخرة في كلامه تعالى ، ليس مسوقا لإبطال ما تقدّمه من الكلام ؛ بل الظّاهر أنّ ذلك استئناف كلام لغرض آخر . وكذلك الكلام في الآية المبحوثة . فإنّ تكذيب الكفّار للآيات والبراهين النيّرة الإلهيّة ، ليس ناقضا ومبطلا وإنكارا على سنّتهم السيّئة ، من توارثهم السيّئات بينهم طبقا عن طبق ؛ بل هذه سيّئة أخرى أشنع وأقبح من الأولى . فعلى هذا فالآية الكريمة ابتداء كلام لغرض آخر غير الأوّل . أي : إنّ الكفّار يستمرّون على التكذيب ، مصرّين ومداومين عليه ، عنادا ولجاجا وحسدا ، يتلاعبون . قوله تعالى :
« فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ
( 24 ) » . في لسان العرب 12 / 22 : الألم : الوجع . . . والأليم : المؤلم الموجع . . . والعذاب الأليم : الّذي يبلغ إيجاعه غاية البلوغ . أقول : أمر تعالى رسوله وحبيبه - صلّى اللّه عليه وآله - أن يبشّر الكفار المكذّبين بعذاب من اللّه - سبحانه - يؤلمهم ويوجعهم ويهينهم . قوله تعالى :
« إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ
( 25 ) » . بيان : الظاهر أنّ الاستثناء منقطع ؛ وهو استثناء ممّا تقدّم من تسجيل العذاب على المكذّبين . وفيه تصريح وتخصيص بنفي العذاب عن المؤمنين الّذين